Sunday, June 24, 2007

حـذار يا مسكين..من المادة ميّة تسعة وسبعين

بعد نشر هذا المقال (حسام الشيطان) في جريدة الراية القطرية ثم في العديد من المواقع والمجموعات البريدية على الإنترنت وصلتني العديد من الرسائل من أشخاص منهم من يدافع عن نفسه بصفته يحمل الاسم "حسام" ومنهم من يدافع عن آخر بالوكالة بصفته صديق لشخص يحمل نفس الاسم.
لكن أغرب تلك الرسائل هي هذه الرسالة المرفقة والتي وصلتني من شخص يقول إن اسمه "حسام الدين مصطفى"!!!

أنا حاولت أعصر ذاكرتي المهترئة قدر المستطاع فلم أصل إلى أني كنت في سابق معرفة مع أحد يحمل هذا الاسم الرنّان.

ولكني فجأة تذكرت إني زمااااان -قبل ما أتوب- كنت أشاهد الأفلام العربية في التليفزيون المصري.كان عندنا في البيت تليفزيون قديم أبيض وأسود.
بيقولوا على الأفلام دي ذاكرة الأمة !!

المهم كنت بشوف في بداية الفيلم أو في آخره تقريباً إخراج أو إنتاج "حسام الدين مصطفى" بصراحة مش فاكر كويس بس أميل إلى إنه مخرج كبير.

معقول يكون هو من أرسل لي هذه الرسالة؟!!
شيء عجيب!!!

طيب عرفني منين؟وإزاي؟ وبعدين هل من الممكن إنه يظن إني ممكن أقترب من حِماه الطاهر بصفته راجل واصل وأنا بخاف من الواصلين لأني رجل بسيط وغلبان وما ليش ظهر على اعتبار إن في مصر إللي ما لوش ظهر سهل يروح في ستين داهية؟!

تذكرت على الفور مقولة "بثينة" خطيبة
طه الشاذلي في رواية عمارة يعقوبيان لعلاء الأسواني ".. البلد دي مش بلدنا يا طه.دي بلد اللي معاه فلوس.اعمل فلوس يا طه تكسب كل حاجة أما لو فضلت فقير هتندهس دهس.."

غالبية الشعب المصري المطحون "بيندهس دهس" وعلشان كدة بيتفق مع رأي "بثينة" خاصة بعد اقرار المادة 179 من الدستور المصري إللي بحلم بيها كل ليلة، يعني باختصار حتى لو الواحد ماشي جنب الحيط وفي حاله ممكن وشاية من حاقد ترسله في نزهة وراء الشمس سنين عددا ويمكن ما يشوف دنيانا الجميلة إلى يوم يبعثون، لأن المادة سيئة السمعة بتسمح للشرطة بالقبض على واحتجاز وتفتيش أي شخص دون إذن مسبق من النيابة وكله بالدستور يا فندم.من يومها وأن كل يوم قبل ما أنام أنظر إلى سقف الغرفة فأشعر وكأن مكتوباً عليه "حـذار يا مسكين... من المادة ميّة تسعة وسبعين".

بيني وبينكم أنا خفت وقلت فيما معناه "يا ماما"، بقول فيما معناه لأني بصراحة ما بقول لأمي "يا ماما" كما يقول الخواجات من العرب والفرنجة لكن لأن حضرتي صعيدي فبقول "يَمّايا" وترجمتها الدقيقة "يا ماما"، وبصراحة قلبي وقع في قدمي وقلت خلاص أنا مستقبلي ضاع وما صار لي عيش في مصر بعد اليوم مع إني خلاص نويت أهاجر إلى أقصى الشمال، لكن برضه من وقت إلى آخر الواحد لازم ينزل مصر يشوف أهله ويطمئن على أملاكه! حلوة أملاكه دي !!

يعني كدة كدة هضطر أنزل مصر سواء آجلاً أم عاجلاً.

علشان كدة أنا بقول بأعلى صوتي وخلّي العالم كله يسمع..خلّي العالم كله يسمع:

يا مُجريَ الفُلك في البحر كالأعــلام
ويا رب كل الأجـــــــــــــــــــــــــــرام
استغفرك من الآثـــــــــــــــــــــــــــام
ارزقني العيش في ســــــــــــــــــــلام
بعيداً عن كيد كل غُــــــــــــــــــــــــلام
وكيد كل مفتـون بصنم من الأصنــــام
يزيّنُ له كل إجـــــــــــــــــــــــــــــــرام
فيراه حسناً وكله تمــــــــــــــــــــــــام
****
ويا أيها المخرج الهُمـــــــــــــــــــــام
ليشهد أمامك كل الأنــــــــــــــــــــــــام
وشهود علينا ضيــــوف كــــــــــــــرام
فلست المقصود بهذا الكــــــــــــــــلام
يا مُخرج المُفسد من الأفــــــــــــــــلام
ولا كل مَنْ كان اسمه حســـــــــــــــام
من البشر كان أو الأنعــــــــــــــــــــام
***
وكلمة أقولها قبل الختـــــــــــــــــــــام
من قلبي أقدم أطيب ســــــــــــــــــــلام
لكل مَنْ كان اسمه حســــــــــــــــــــام
ولو كان حتى من الأغنـــــــــــــــــــام
عليهم جميعاً منّا الســـــــــــــــــــــلام
***
وأدعوك ربي قبل الختـــــــــــــــــــــام
احمني مِنْ أمن كل نظــــــــــــــــــــام
وكل متربص بي في الظــــــــــــــــلام
وجنبني يا ربي كــــــــــــــــــل الآلام

أذنبي أني كشفت اللئـــــــــــــــــام؟!
وأهوى الصَدْع بصدق الكـــــــــلام؟!
فمن ذا الذي ينبغي أن يُـــــــــــــلام؟!


-------------------------------------------------------------------

----- Original Message -----
From: Hosam Mostafa
To:
Ehab Al Malky
Sent: Wednesday, June 20, 2007 10:50 AM
Subject: Re: من حسام الدين مصطفى
السلام عليك ....
سؤال واحد قبل لأحدد إتجاه ردي عليك
هل تقصدني أنا بمثل هذه الكلمات .....
حسام الدين مصطفى

Thursday, June 14, 2007

حســــام الشيطان


تسبح في فضاء الإنترنت الواسع كائنات عنكبوتية سامة هي أخطر من الشيطان نفسه، فالإنسان بإمكانه التخلص من وساوس الشيطان وكيده بمجرد الاستعاذة بالله من شره أو قراءة آية الكرسي، ولكن شياطين الإنس في عصرنا قد ابتكروا من الحيل والأساليب الملتوية والخدّاعة ما إن لو اجتمع إبليس "وربعه" لن يجدوا إليها سبيلاً، ولفتح إبليس فمه من الدهشة لما لدى هؤلاء من حيل ماكرة، ولخلع على هؤلاء الشرذمة من شياطين الإنس رداء النبوغ الابليسي والتفوق الشيطاني من الدرجة الدنيا.
هم أناس من أبناء جلدتنا ارتضوا لأنفسهم -الدنيئة أصلاً - أن يعيشوا حالة شاذة من التناقض بين سرهم وجهرهم، بين صورتهم وسلوكهم في العلن وبين ما يقترفونه في الخفاء بعيداً عن أعين الناس، ورحمة الله على الشيخ محمد الغزالي الذي يقول في كتابه القيّم، خُلُق المسلم، " ..على أن الإنسان ينبغي أن يخجل من نفسه كما يخجل من الناس،فإذا كره أن يروه على نقيصة فليكره أن يرى نفسه على مثلها،إلا إذا حسب نفسه أحقر من أن يستحي منها. وقد قيل : من عمل في السر عملاً يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر".
لا أصف هؤلاء بالرجولة بل بالذكورة، لأن الرجولة رجاحة عقل واتزان خلق، ولكن الواحد من هؤلاء بمكره وخبثه ودناءة سعيه هو بمثابة حسام (سيف) في يد الشيطان يضرب به وبقوة العفة والالتزام والحياء عند بناتنا عبر أساليب شتى من الحيل الماكرة والكلام المعسول، حتى تطمئن إليه هذه الساذجة أو تلك الحمقاء التي تنقصها الخبرة في الحياة أو تلك التي تنخدع بما لديها من خبرة وتعتقد أنها تكفيها وتحصنها ضد أمثال تلك المخاطر، ففي كثير من الأحيان يكون للتكرار مفعول السحر خاصة مع كل مَنْ "خدعوها بقولهم حسناء".
لكن كيف تكون البداية؟ الاجابة على هذا السؤال هي بمثابة فضح وتبيان لكل حسام (سيف) في يد الشيطان لكي تنتبه كل فتاة مضطرة لاستخدام شبكة الإنترنت،ولكي تحتاط من أمثال هؤلاء وتسلم من مكرهم،حتى لا تقع فريسة لخبثهم وخداعهم وعندها لن ينفع الندم.
تزدحم شبكة الإنترنت بالكثير من المنتديات النافعة وكذلك التافهة، وحسام (سيف) الشيطان يجد مرتعه ليس في الثانية بل في الأولى، فتجده يجتهد في إظهار بلاغته وثقافته وسعيه لإفادة المنتدى حتى يجذب إليه الأنظار، مما يدفع برئيس المنتدى المخدوع إلى أن يخلع عليه الألقاب تلو الألقاب كأن يعينه مثلاً سفيراً للمنتدى في بلده، ثم تتوالى رسائل المديح والثناء لهذا الشخص على جهده ومساهماته "المفيدة" في المنتدى، وبما أن المشاركة في هذه المنتديات هي من وراء حجاب أي عبر الإنترنت؛ فإن حسام الشيطان يساهم هو أيضاً في تسليط الضوء على نفسه وعلى مساهماته عبر الايعاز لآخرين من مساعديه بالمشاركة في حفلة المديح والشكر لمجهوداته كمثقف حر يسعى لنهضة الأمة!
هنا يبدأ حسام الشيطان أولى خطوات الإيقاع بفريسته، فبعد أن كان التواصل مع الجميع فقط عبر المنتدى؛ ينفرد هو بهذه الحمقاء الساذجة في تواصل عبر الانترنت بينهما فقط، ثم تتوالي اللقاءات لساعات طويلة، حيث يجلب عليها بخيله ورجله، ومكمن الخطورة هنا أنه في الغالب يدخل لفريسته من مدخل الدين فتجده كثيراً ما يبدأ كلامه بآية أو حديث أو قول مأثور، ثم يبذل كل طاقته في طمأنتها تجاهه عبر تقديم المساعدة أو الخدمات العديدة التي يبدو ظاهرياً أنه لا ينتظر لها أي مقابل، ثم يجيء دور الشيطان في مساعدة رفيقه من بني الإنس في سعيه الدنيء فيمهد له الخطوة تلو الخطوة إلى يتبادل مع هذه الحمقاء الساذجة أرقام الهواتف والصور الشخصية وخلافه وهنا تبدأ المأساة.
وهنا أود أن أهمس في أذن كل فتاة قُدّر لها أن تتعامل مع أحد من هؤلاء أن تسأل نفسها دائماً هذه الأسئلة الهامة:لماذا يتقرّب إليّ أنا بالذات؟ ولماذا يقدم لي المساعدة أو يعرض عليّ خدماته؟ وما هو المقابل، أي ماذا يريد مني؟ نعم؛ فمن السذاجة أن تتوقعي أو تفترضي أن "سعادته" هو جمعية خيرية تسعى لخير البشر هكذا بدون مقابل، فليس من العيب أبداً -من باب الاحتياط- أن تفترضي السوء في كل من تتعاملين معهم في مثل تلك المنتديات إلى أن يثبت العكس.
وبما أننا نتحدث عن نموذج من الذين ينتشرون في المنتديات التي من المفترض أنها نافعة والتي تجمع في قوائمها آلاف المثقفين؛ فإنني أوجه حديثي هنا إلى كل مثقف أو مدعي الثقافة من هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بالمثقفين الأحرار، فالمثقف الذي يدّعي أنه يسعى إلى الحرية وإلى التخلص من سطوة الأنظمة المستبدة الجاثمة على صدورنا ينبغي عليه أولاً أن يتحرر من عبوديته لنفسه واستبداد شهواته ونزواته الصبيانية،ولا أدري كيف ينادي الواحد من هؤلاء بدعاوى التحرر والحرية وهو نفسه جزء من نظام فاسد!فالمثقف الحر واضح مع نفسه ومع مجتمعه، ولا يتناقض سلوكه في الخفاء مع ما يتبناه في العلن أمام الناس، وكيف يدعو هذا الرويبضة إلى نهضة الأمة ويدّعي تزعمه لإحدى كتائب نهضتها واستعادة شرفها وكرامتها في حين أنه قد افتقد كل هذه المفردات بسلوكياته وتصرفاته الصبيانية تلك؟!
وأختم مع رسولنا صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيما معناه "لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً فيجعلها الله-عز وجل- هباء منثورا ....أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها"...
رابط المقال بجريدة الراية القطرية

Wednesday, June 13, 2007

أخــتاه

أختاه دونك حاجز وستار----- ولديك من صدق اليقين شعار
عودي إلى الرحمن عودا صادقا---- فبه يـزول الشر والأشرار
أختاه دينك منبع يروى به----- قلب التقي وتشـرق الأنوار
وتلاوة القرآن خير وسيلة ----- للنصر لا دف ولا مزمار
هو في احتدام القيظ ظل وارف -- وإذا التوى وجه النهار ستار
ودعاؤك الميمون في جُنح الدجى--- سهم تذوب أمامه الأخطـار
أختاه حولك روضة مخضرة -- تختال فوق ربوعها الأشجار
نبع ونهر لا يجف مسيله ---- أبداً وجذع شامخ وثمار
دين تهون به الخطوب وتزدري --- في ظله لِمَم ويُمسح عار
ولديك يا أختاه منه ذخيرة --- يُحمى بها عرض ويُحفظ جار
ولديك تاريخ عريق شامخ ---- يحلو به للمؤمن استذكار
في منهج (الخنساء) درس فضيلة-- وبـمـثـله يسـترشـد الأخيار
أختاه يصمُد للحوادث مخلص ----فيما يقول ويسقط استنصار
في كفك النشء الذين بمثلهم---- تصفو الحياة وتُحفظ الآثار
هُزّي لهم جذع البطولةِ ربمـا---- أدمى وجوه الظالمين صغار
غَذّي صغارك بالعقيدة إنهـا--- زاد به يتزود الأبـــرار
لا تستجيبـي للدعاوى إنها----- كذب وفيها للظنون مثار
إعلام هذا العصر شر ظاهر--- فعلى يديه تزوّر الأخبار
وعلى يديه تُشاع كل رذيلة --- وعلى يديه تشوّه الأفكار
وبه تُشَب النار يوقَد جمرها--- وبه يثار من الشكوك غبار
أختاه كم من ظالم يبني له ----- ملكاً فيهدم ملكه القهار
أين الجبابرة الذين تسلطوا--- -ذهبوا وظل الواحـد الجبار
لا ترهبي التيارَ أنتِ قويــةٌ----- بالله مهمـا استأسد التيارُ
تبقى صروح الحق شامخـة وإن-- أرغى وأزبد عندها الإعصار
إن البناء وإن تسامق واعتلى----- ما لم يُشيد بالتقى ينهار
قد يحصد الطغيان بعض ثماره -- لكن عقبى الظالمين دمار
أختاه عين الفجر ترقب ما جرى--وغدا ستشرب نورَه الأزهـار
وسيحرق الليل الطويل ثيابة--- ولسوف تهتَك دونه الأستـار
وسيكتب القمر المنير حكايـةً-- عن حزنه وستفضح الأسـرار
وستعزف الشمس المضيئة نورَها--ولسوف تهدم عندها الأسوار

رابط التحميل
http://www.almawa.net/anashed/nashed/so43.rm

Tuesday, May 29, 2007

Alas ! يـا خســـــــــــــارة


مساء الخميس جلست الأم ذات الستة وعشرين ربيعاً مع أبنائها الست حول كومة من النيران تلتهم متعلقات الأب من أوراق وصور وأشياء أخرى كثيرة، وقتها لم يكن يدرك ذاك الصبي الصغير، الذي لم يكن يتجاوز عمره آنذاك أربعة أعوام، ولم يكن يعي لماذا يحدث كل هذا، لماذا تُحرق متعلقات الوالد الذي لم يعد يأتي إلى البيت منذ مدة، لماذا انقطع عن المجيء إلى البيت لرعاية أسرته، فقط كان يراقب ما يحدث بعينين حزينتين تأثراً بالحزن الذي كان يكسو ملامح الأم وابنتها الكبرى التي كانت في العاشرة من عمرها، وهي الوحيدة بين جميع الأبناء التي كان يسمح لها سنها إلى حد ما أن تعي وتدرك سبب ما يحدث وتتأثر به وتتفاعل معه، إلا أن هذا الصبي حزن وتأثر لحزن أمه دون أن يعرف السبب.
لمّا كبُر الصبي وبدأ في إدارك ما حوله علم أن تلك الليلة كانت ليلة زفاف والده على فتاة في مقتبل العمر، فتاة كانت تعلم أنه أب لستة أبناء أكبرهم طفلة في العاشرة من عمرها، فقد تزوج الأب أم الأبناء الست قبل إحدى عشر سنة بالتمام والكمال أنجب فيها ستة أبناء أوسطهم ذاك الصبي الذي نتحدث عنه والذي لم تستطع السنوات أن تمحو ذاك المشهد من ذاكرته.
تعرّف الوالد على هذه الفتاة التي لم يسبق لها الزواج من قبل وقد تمسكت به بغرابة شديدة وأصرت على الزواج منه رغم علمها بأنها ستتسبب بذلك في انهيار كيان أسرة سعيدة هادئة، وعندما نصحها أقاربها بأن تترك الرجل وشأنه فهي ما تزال في مقتبل العمر وغير مضطرة للارتباط برجل متزوج ولديه من الأبناء ست؛ هددت بالانتحار إن لم تتزوج هذا الأب وقد كان، وفوق كل هذا كان شرطها العجيب أن يطلّق الأب أم أبنائه الست قبل الارتباط بها.
استفاقت الأم من الصدمة وبدأت في التصدي لكل محاولات التفريق بينها وبين أبنائها، فقد ألقيت على عاتقها مسؤولية كبيرة وعبء ثقيل وهي ما تزال في ريعان شبابها ولا يؤهلها سنها ولا خبرتها للتعامل مع هذه الصدمة المفاجئة، وقعت الأم الشابة بين سندان أهلها ومطرقة أهل زوجها، فأهلها يرون أنها ما تزال في مقتبل العمر وينبغي أن تتزوج من شخص آخر وتترك هؤلاء الأبناء الست لأبيهم الذي تزوج، فهؤلاء الأبناء -حسب رأي أهلها- ليسوا أبناءنا لكي نربيهم ونرعاهم، فكيف نربي من ليسوا لنا؟! وأهل زوجها لم يرق لهم تمسكها بالأبناء فقد أرادوا أن ترحل إلى بيت أهلها وتترك لهم الأبناء لكي يواجهوا مصيراً مجهولاً في خدمة أهل الزوج وزوجة الأب، ولكنها رفضت بشدة وأصرت على التمسك بالأبناء وتربيتهم.
قاطعها الجميع؛ فقد قاطعها أهلها لما رفضت نصيحتهم بأن تتزوج من شخص آخر وتترك الأبناء لأهل أبيهم، وعندما قام أخوها برفع دعوى قضائية ضد طليقها، سألها القاضي هل حصلت على مستحقاتك منه فأجابت بالايجاب بالرغم من أنها لم تأخذ منه شيئاً وكانت تستطيع بكلمة منها أن تلقي به في السجن سنين عدداً.
كافحت الأم وصبرت وثابرت وخرجت للعمل وبذلت أقصى ما لديها لتربية أبنائها الستة وتوفير حياة كريمة لهذه الأسرة التي تعاني مقاطعة من الجميع إلى أن وفقها الله في تربية وتعليم جميع أبنائها واستحقت أن تكون أماً مثالية بكل ما تحمل الكلمة من معان.
كبر هذا الصبي ولم تمح من ذهنه هذه الصورة للفتاة "خَطّافِة الرِجّالَة" التي خطفت والده من أسرته السعيدة الهانئة وتركتهم يعيشون حياة صعبة مريرة، وكان كل ما يهمه مثل باقي إخوانه أن ينتهي من تعليمه لكي يساعد والدته ولكي تستريح هي بعد رحلة طويلة من المعاناة والكد والتعب.
بعد عدة سنوات من العمل بعد تخرجه الجامعة شعر بأنه قد حان الوقت لكي يبدأ حياته الخاصة، وبدأ رحلة البحث عن زوجة مناسبة بعد كبوة تعرض لها، وفجأة ألقى الله بها في طريقه، دون تعب أو بحث طويل، فقد أحبها بصدق ووجد فيها كل ما يمناه، فقد لمس فيها توافقاً قلما وجده في أحد عرفه من قبل، وكثيراً ما أدهشه حرصها الشديد عليه، واستقر به اليقين أنها هي ما كان يبحث عنه، فقد وجد فيها كل ما يحتاجه المرء في شريكة حياته واتفق معها على الارتباط في خلال أشهر قليلة عندما تتاح له الفرصة.
ولكن حدث ما لم يكن يتوقعه ولا يتمناه، فجأة علم شيئاً ما أصابه بالإحباط وخيبة الأمل وشعر أن أحلامه قد أصبحت سراباً بقيعة، فقد علم بما لا يدع مجالاً للشك أن الفتاة التي اختارها عرفت شخصاً آخر غيره، وربما يرى البعض أن لا غرابة في هذا فهي غير مسؤولة أمامه عما مضى وولّى ولكن عن حاضرها الذي ارتبط به ومستقبلها الذي سيكون معه، ولكن المعضلة التي أقضت مضجعه هي أن ذاك الشخص الذي عرفته هو رجل متزوج وأب لعدد من الأبناء أكبرهم في نفس العمر تقريباً الذي كان فيه صاحبنا عندما حدث ذاك الموقف الذي لن ينساه، وعلى الفور حضر إلى ذهنه صورة الفتاة " خَطّافِة الرِجّالَة" وكيف أن الفتاة التي أحبها كادت أن تقوم بنفس دور الفتاة التي تسببت في شقاء أسرته، فسئمت منها نفسه وأيقن أنه لا ينبغي أبداً أن يربط مستقبله بنموذج آخر لـ " خَطّافِة الرِجّالَة" موديل 2007.

رابط المقال بجريدة الراية القطرية
http://www.raya.com/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=254419&version=1&template_id=27&parent_id=23

Sunday, May 06, 2007


ربِحـت وربّ الكعبـة

رفاقي وأصدقائي وأحبائي وكل من عرفتهم على مدى الثلاثين عاماً الماضية هي سنوات عمري المديد بإذن الله،أستودعكم الله فقد كُتب لي صباح اليوم اليوم السادس من مايو المجيد أن تنقطع صلتي ومعرفتي -المؤقتة- بكم جميعاً..فقد شاء الله أن أنفصل عن عالمكم البائس وطبقتكم الكادحة الكالحة في صباح هذا اليوم السادس من مايو المجيد عندما أعلنت جريدة الراية القطرية في صدر صفحتها التاسعة عشر عن فوز مقالنا المنشور يوم الخميس الماضي تحت عنوان"خلي بالك من بناتك" بجائزة أفضل مقال وبموجب هذا الإعلان سأحصل على ثلاثمائة ريال قطري عداً ونقداً (82 دولار وتسعة عشر سنتاً) ولهذا أودّع طبقتكم البائسة الكادحة الكالحة لأني في القريب العاجل سأنضم إلى طبقة الصفوة و"الهاي لايف" ورجال البيزنس، فلم أعد أعرف أمثالكم من البؤساء بعد أن لبثت فيكم عمراً قبل هذا.

بمجرد الإعلان عن فوزي بالجائزة حاولت جاهداً كبح جماح جواد أحلامي وآمالي وتطلعاتي للمستقبل الزاهر الزاخر المزدهر، ولكن انفلت من يدي رغماً عني ووجدتني أطلق العنان لأحلامي وتطلعاتي وآمالي للمستقبل المشرق الزاخر المزدهر.

أول ما خطرببالي هو قبة البرلمان، نعم فهي مفتاح الثروة الحقيقة ومُلك لا يبلى، فهناك العالم الحقيقي للبيزنس والأعمال،فقد حلمت أن أعود بهذه الثروة الطائلة ،ثلاثمائة ريال قطري عداً ونقداً (82 دولار وتسعة عشر سنتاً)،أعود بها إلى قريتي الصغيرة البائسة التي تقع بين قرى أخرى لا تقل بؤساً بإحدى محافظات شمال الصعيد وأبدأ طريقي من هناك نحو قبة البرلمان.

ما فيش حلاوة من غير نار، فمن أجل عيون مجلس "سيد قراره" سأضطر مرة أخرى -مؤقتاً- إلى التعامل مع الطبقات البائسة الكادحة الكالحة من أبناء قريتي الصغيرة والقرى المجاورة البائسة لكي أصل على أكتافهم إلى المجلس وبعدها أعود لكي أتنكر لهم وأنكر معرفتي بأمثال هؤلاء، فمثلي لا يعرف تلك الطبقات الدنيا من عامة الشعب.

تذكرت الآن موقفاً مُشابهاً،ففي أحد مرات إنتخابات مجلس الشعب في الدائرة الإنتخابية -التي سأمثلها بإذن الله- حاول أهل الخير أن يوحدوا القرى للوقوف وراء مرشح معين، وكان هذا بعد أن بدأت الحملات الإنتخابية بفترة وذهب هؤلاء الوسطاء للمرشحين الأقل حظاً لكي يتنازلوا للأوفر حظاً حتى لا تتوزع الأصوات بين المرشحين وتضيع هباءً منثوراً، وعندما ذهبوا لأحد المرشحين وطلبوا منه التنازل نهض من مكانه غاضباً وقال "إزاي أتنازل بعد ما إضطريت أصافح حُثالة البشر ؟!"

المهم أنا سأضطر -بالطبع مؤقتاً- للتعامل والتواصل مع هذه الطبقات الدنيا لكي أحقق أحلامي وطموحاتي وآمالي، وبعد أن أصل إلى هناك وربما قبل ذلك سأعرف من أين تؤكل الكتف، فأنا أعرف طريقي جيداً،وأعرف من أين تأتيك مفاتيح كنوز مصر وخيراتها، الحل في أيدي آل البيت، نعم سأتقرب إلى العائلة الكريمة زلفى،سأتقرب إلى أعضاء مجلس إدارة جمهورية مصر العربية،عبر وسائل شتى سأستنفذها كلها،ولعل أنجعها في هذه الفترة هي إنتقاد جماعة الإخوان المسلمين أعداء الوطن والمتربصين بأمن ورخاء واستقرار هذا البلد والمدَبّرين له بليل للتنكيل بأهله وسلبهم حريتهم ورخائهم وأمنهم والنعم العديدة التي يعيشون في ظلها في عهد الرخاء والديمقراطية وحقوق الإنسان، في عهد لم يُقصف قلم ولم يُظلم مواطن، ولم يعذّب مواطن في أقسام الشرطة ولم تمتهن كرامة أحد من أبناء مصر،ولم يُعتقل إلا عدد ضئيل لا يتجاوز الثمانية عشر ألفاً من المصريين، ولم يحاكم مدني أمام محاكم عسكرية.

هؤلاء الإخوان طيور الظلام سانتقدهم وأنتقدهم وسأتفوق على رفعت السعيد في ذلك فهدفنا واحد ومبتغانا واحد وإن كان رفعت السعيد ينتقدهم من مقاعد المعارضة فسأنتقدهم من مقاعد المستقلين -طبعاً سأنضم بعد ذلك للحزب الوطني- وبعد أن أحوز رضاهم السامي -رضا آل البيت- سأودّع الفقر والبؤس والشقاء إلى الأبد،سأرشف من النعيم رشفاً وأرفل في الهناء رفلاً، وطالما أني سأكون من عِلية القوم من الصفوة والوجهاء واصحاب النفوذ؛ فلن يهمني وقتها من يحكم مصر الأب أو الإبن أو غيرهما،وسأردد معهم مات الملك عاش الملك وكمان حفيد الملك.

كم أنا ناكر للجميل، كيف أغرق في ما أنا فيه الآن من سعادة غامرة وفرحة كبيرة بهذه الثروة الطائلة التي هبطت عليّ صباح اليوم السادس من مايو المجيد دون الإعلان عن شكر واجب لمن تسبب في كتابة هذا المقال؟،الفضل لله الذي فتح عليّ بكتابة هذا المقال مفتاح الثروة، ثم إلى من أوحيا إليّ بفكرة المقال وهما سعادة السفير الإفتراضي
H.E. Virtual Ambassador
والحمقاء، شكراً لكما فقد كنتما سبباً في هذه الثروة التي لم يكن ليتوقعها بائس مثلي -عفواً سابقاً- فلم أعد بائساً فقدر ربحت ورب الكعبة ثلاثمائة ريال قطري عداً ونقداً (82 دولار وتسعة عشر سنتاً)، وعقبال عندكم جميعاً ونلتقي معاً في منتديات صفوة المجتمعات الراقية وليس في المنتديات الإفتراضية التي أدمنها سعادة السفير الإفتراضي والحمقاء سبب حصولي على الجائزة، أقصد الثروة


رابط المقال الثروة بجريدة الراية القطرية
http://www.raya.com/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=246671&version=1&template_id=27&parent_id=23

رابط المقال الثروة بجريدة المصريون

Thursday, May 03, 2007

خلّي بالــك مـن بنــاتك


هذا ليس عنوان فيلم سينمائي تافه، ولا مسلسل تليفزيوني ممل لأن العبد لله من "طائفة الرجعيين" الذين لا يشاهدون أي من الأفلام أو المسلسلات أو غيرها لمن يُطلقون عليهم النجوم والنجمات الأحياء منهم والأموات؛ ويرى فيها تكريس لسلوكيات خاطئة تؤثر سلباً على البناء الأخلاقي والقيمي في المجتمع وتؤدي إلى التحرر من القيم والمثل، هذا بالإضافة إلى إلف السلوكيات والتصرفات المشينة، علاوة على أن ضرّها أكبر من نفعها هذا إن كان فيها نفع أصلاً.
ولكنها نصيحة مُخلصة لكل أب وكل ولي أمر أن يبقى يقظاً ومنتبهاً للأخطار التي تُحدق بكل بيت في زمن الأخطار، زمن الإنترنت، الذي صار التعامل معه من ضروريات الحياة هذه الأيام لكثير من الناس، ولكنه تعامل محفوف بالمخاطر التي أدعو الله أن يجنبنا شظاها.
ليس من طبيعتنا التهويل ولا تضخيم الأمور ولكنه الحرص على مستقبل هذه الأجيال التي سيجيء اليوم وتكون زمام أمور أمتهم بأيديهم، هذه الفتيات أمهات المستقبل، ولهذا فإن الحرص واجب مع هذا الخطر المحدق المتمثل في الشبكة العنكبوتية المعروفة بالإنترنت.
قد يسارع الغالبية العظمى من الآباء إلى القول إننا قد ربينا بناتنا على الالتزام والتدين وغير ذلك من المثل وهذا كلامه أحترمه وأتفهمه جيداً، ولكن عزيزي الأب لا تنس، رغم خالص احترامنا وتقديرنا لجهودكم الكبيرة في تربية بناتك على المباديء والأخلاقيات التي يحض عليها ديننا الحنيف وربما تكون قد نجحت في تحفيظهن ما تيسر من القرآن وربما القرآن كله،لا تنس أن هذا كله لا يكفي أمام عدو شرس يدهس تحت عجلاته كل جهد بذلته وكل علم علّمته، هذا العدو هو حب الاستطلاع والفضول وحب طرْق ما لم يُطرق من قبل خاصة عندما تجد الفتاة نفسها-بعد أن غُلّقت عليها الأبواب نتيجة لأسباب لا مجال للخوض فيها- فجأة أمام آفاق لا حدود لها.
بالله عليك تصوّر نفسك أنت أمام كل هذا الفضاء الواسع وليس فتاة في سن يتميز بالتقلب في الأهواء والميول، وهو ما يجمع عليه علماء النفس في كل أقطار الدنيا أن هذا المرحلة خطرة للغاية وينبغي التيقظ لها.
ومن منطلق الحرص على بناتك يجب ألا تستبعد أبداً أن تذهب إلى نومك مثلاً فتجدها الفتاة الوقت المناسب للدخول إلى ذاك العالم الواسع والتحدث إلى أغراب من أقصى الأرض وأدناها، وبالطبع ليس كل من يستخدم الإنترنت من الرجال شياطين لكني على يقين أن أغلبهم أخطر على بناتك من الشيطان نفسه.
عواقب وخيمة تلك التي ستنتج إن لم تنتبه إلى هذا الخطر، صدقني التربية وحدها لا تكفي لكبح جماح هذا الرغبة المستعرة خاصة في ذاك السن المتقلب لاستكشاف هذا العالم الغامض بالنسبة لها، فيجب على كل أب وولي أمر أن يفكر ويقرر كيف يحافظ على بناته بأسلوب لا يوحي لهن بأننا نشك في تصرفاتهن، فبكل تأكيد ما أتحدث عنه ليس القاعدة وإنما استثناء ينبغي القضاء عليه وسد جميع نوافذه.
في النهاية رسالتي لكِ أيتها الفتاة المسلمة، أنت يا من منحك أهلك الثقة، ينبغي عليك تقدير هذه المسؤولية وعدم استغلال الفضاء المتاح أمامك للانحدار وراء حب الاستطلاع والتحدث إلى أو التواصل مع هذا أو ذاك، لأن هذا الأمر عواقبه وخيمة على المدى القريب والبعيد، ودعواتي لك بأن يحميك الله من شياطين الإنس،ولا تنس قاعدة هامة هي أن الإثم هو ما حاك في الصدر وخشيت أن يطلع عليه الناس، فيجب مراجعة النفس في كل ما تخشين أن يطلع عليه والديك الذين لا يستحقان منك إلا تقدير واحترام عبر المحافظة على سلوكك ولو من وراء حجاب عبر الإنترنت، فالدنيا صغيرة ولا يجب أن نستبعد أبداً أن يتواصل من لا تتوقعين أن يتواصلا، أو ينكشف ما حرصت لفترة طويلة أن يكون في طيّ الكتمان، حذاري من الهوى لأن مَنْ اتبع الهوى غوى، ولم يُذكر الهوى في القرآن إلا مذموماً، ومنها قوله تعالى في سورة الجاثية "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون"، وقوله في سورة ص "ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله"، وقوله في سورة الكهف "ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا".
وهنا أود أن أسجل استغرابي من نجوم المنتديات والجمعيات الافتراضية من "العواجيز" الذين لا يرقبون في بناتنا إلاً ولا ذمة، ولا أدري ماذا يريد رجل متزوج ورزقه الله "زهرات" من زينة الحياة الدنيا من تواصله مع فتاة عبر الإنترنت؟ أليس عجيباً أن لا نجد "ترجمة" لتصرفاته الصبيانية تلك إلا رغبة غريزية دنيئة في القيام بدور رميو الشرق؟ ألا يدرك أنه كما تدين تدان؟ ألا يعي بأن هذا كله "سيُتَرجم" ضده في المستقبل؟ أو أن غداً حتماً سيكون عليه؟، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون؟ كل "لغات" العالم لا تكفي لإدانة أمثال هؤلاء، ماذا يريد منها؟ وأين عقل هذه الحمقاء الساذجة التي سمحت لنفسها بالتفريط في أمانة أودعها أهلها إياها؟
رابط المقال بجريدة "المصريون":
http://www.almesryoon.com/ShowDetailsC.asp?NewID=33811&Page=1&Part=6

Sunday, April 29, 2007

الأبرار الأتقياء الأخفياء


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
اليسير من الرياء شرك،ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة،إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يعرفوا:قلوبهم مصابيح الهدى،يخرجون من كل غبراء مظلمة

رواه الحاكم

Sunday, January 28, 2007

أنصاف المحجبات

لم أكن أتمنى أن يطول بي العمر لأعيش في زمن يدور فيه جدل لا داع له حول فريضة إسلامية ثابتة بالنص القرآني، فمن المعلوم أنه لا اجتهاد مع نص والنص واضح في سورة النور التي تبدأ بـ "سورة أنزلناها وفرضناها"، ومن أنكر آية من القرآن فقد أنكر القرآن كله، ورغم ذلك ذهبت حُمرة الخجل من وجوه البعض ليثيروا ذاك الجدل العقيم حول فريضة حجاب المرأة المسلمة، ولعل ليس آخرهم معالي الوزير الدائم، "دلّوعة هانم مصر الأولى"، وزير ثقافة مصر، الذي يرى بحسه "الفني المرهف جداً" أن شعر المرأة كالورود لا يجب أن تُحجب عن الناس ولكن يجب أن تكشف ليشتمها سعادته، ولا أدري لماذ لا يكمل سيادته نصف دينه لكي تكون لديه مجموعة من تلك الزهور يشتمها متى يشاء!

وفي تقرير التنمية الإنسانية العربـية 2005 الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ديسمبر الماضي تحت عنوان "نحو نهوض المرأة في الوطن العربي" يُطرح موضوع الحجاب للاستفتاء في أربع دول عربية حيث تم طرح السؤال التالي على العينات المختارة:أي المواقف التالية يعبر عن رأيك في الحجاب ؟1- لا أوافق أن تتحجب المرأة،2- أوافق فقط إن قررت هي ذلك،3- يجب فرض الحجاب على المرأة (ص 237 ملحق 2 : استطلاع الرأي حول نهوض المرأة في العالم العربي) ولا أدري ما علاقة الحجاب بنهوض المرأة من عدمه وهل الحجاب عقبة أمام نهوضها ؟!! وإذا كان الحال كذلك فربما في المرة القادمة يُطرح موضوع الصلاة أو الصيام أو الحج للاستفتاء بين الناس أيضاً !!

لا شأن لي بالوزير المدلل وأشياعه أو بالتقرير وأتباعه، ولكني سأوجه حديثي إلى كل مسلمة التزمت بأمر ربها في مسألة الحجاب، سأتحدث عن الموضوع من زاوية أخرى ينبغي ألا تغيب عن الكثيرين خاصة النساء اللاتي يعتقدن خطأ أنهن محجبات، حتى لا يظللن في هذا التيه إعتقاداً منهن أنهن والحمد لله محجبات، وحتى لا يكن من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

جاء في تفسير ابن كثر لقول الله عز وجل في سورة النور آية 31 (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)
"..قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر " وَلْيَضْرِبْنَ " وَلْيَشْدُدْنَ " بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبهنَّ " يَعْنِي عَلَى النَّحْر وَالصَّدْر فَلَا يُرَى مِنْهُ شَيْء، وفي تفسير الجلالين "وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبهنَّ" أَيْ يَسْتُرْنَ الرُّءُوس وَالْأَعْنَاق وَالصُّدُور بِالْمَقَانِعِ"، وفي تفسير الطبري "..وَقَوْله: { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبهنَّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره: وَلْيُلْقِينَ خُمُرهنَّ, وَهِيَ جَمْع خِمَار , عَلَى جُيُوبهنَّ , لِيَسْتُرْنَ بِذَلِكَ شُعُورهنَّ وَأَعْنَاقهنَّ وَقُرْطهنَّ"، وفي تفسير القرطبي "قَرَأَ الْجُمْهُور بِسُكُونِ اللَّام الَّتِي هِيَ لِلْأَمْرِ،وَقَالَ مُقَاتِل : " عَلَى جُيُوبهنَّ " أَيْ عَلَى صُدُورهنَّ ; يَعْنِي عَلَى مَوَاضِع جُيُوبهنَّ .فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْجَيْب إِنَّمَا يَكُون فِي الثَّوْب مَوْضِع الصَّدْر. وَكَذَلِكَ كَانَتْ الْجُيُوب فِي ثِيَاب السَّلَف رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ ; عَلَى مَا يَصْنَعهُ النِّسَاء عِنْدنَا بِالْأَنْدَلُسِ وَأَهْل الدِّيَار الْمِصْرِيَّة مِنْ الرِّجَال وَالصِّبْيَان وَغَيْرهمْ".

وجاء في التفسير الميسر لقوله تعالى في سورة الأحزاب آية 59 ".يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً"، " يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يرخين على رؤوسهن ووجوههن من أرديتهن وملاحفهن؛ لستر وجوههن وصدورهن ورؤوسهن".

صفة الحجاب الشرعي هو "أن يكون حجاب المرأة ساتراً لجميع بدنها، ثخيناً لا يشفّ عما تحته، فضفاضاً غير ضيق،غير مزيّن يستدعي أنظار الرجال وغير مطيّب وألا يكون لباس شهرة وأن لا يشبه لباس الرجل والكافرات وألا يكون فيه تصاليب ولا تصاوير .الحجاب الشرعي واجب على كل مسلمة بالغة وهو أن تحجب المرأة كل ما يفتن الرجال بنظرهم إليه كالوجه والكفين والشعر والعنق والقدم والساق والذراع ونحو ذلك."(مختصر الفقه الإسلامي، محمد بن إبراهيم بن عبد الله التويجري، ص 829).

ومع ذلك يتم، للأسف الشديد، محاولة اختزال الحجاب في فكر الكثيرين على أنه مجرد خرقة تداري رأس المرأة أو بعض رأسها، وأستغرب حقاً عندما تقام الاحتفالات والتبريكات لمذيعة أخبار أو ممثلة قالوا إنها ارتدت الحجاب وعندما تنظر للحجاب الذي يهلل له المهللون ويطبل له المطبلون لا تملك إلا مصمصة الشفاه .. يا الله هل هذا هو الحجاب؟؟

وتجد الواحدة منهن تدافع عن الحجاب باستماتة وهي ترتدي هذه الخرقة على رأسها وتعتقد أنها بذلك محجبة، هل يعقل ان ترتدي هذه الخرقة التي تغطي بالكاد شعرها ثم ترتدي من الثياب ما يُظهر ولا يخفي
هل هذه محجبة؟ أو تلك الممثلة التي، يا حرام، انفصلت عن زوجها بسبب إصرارها على ارتداء الحجاب وعندما تنظر إلى تسميه هي الحجاب لا تملك إلا أن تقول لا حول ولا قوة إلا بالله، ناهيك عن باقي ما ترتديه وكيف يتناقض تناقضاً بيناً مع فكرة الالتزام بالحجاب الشرعي.

الخوف كل الخوف من إختلاط المفاهيم لأن معها تضيع الحقيقة ويحدث التشويش في أذهان النشء، فعندما تشاهد ابنتي أو ابنتك مثلاً هذا التطبيل والتذمير لهذه المذيعة أو تلك الممثلة لأنها ارتدت "الحجاب" سوف يستقر في يقين طفلتي وطفلتك أن هذا هو الحجاب الشرعي الذي أمر به ربنا في كتابه الكريم.
ما أردته هو طرح الموضوع، الذي أراه خطيرا للغاية للمناقشة، لعلنا نساهم ولو باليسير في تصحيح هذه المفاهيم حتى لا يختلط الأمر علينا وتشوه الحقيقة في الأذهان.

هناك فئة أخرى أستغرب لها حقاً وهي الأكثر انتشاراً هذه الأيام وهي تلك التي تضع على رأسها حجاباً أو نصف حجاب ثم تُظهر خصلة شعر من مقدمة رأسها !! في الحقيقة حاولت كثيراً أن أفهم هذا التصرف وما الهدف منه وما مغزاه الاستراتيجي(!) ؟ هل لتري الناس أن لديك شعر يداعبه الهواء فتهتز له القلوب؟ مع إننا نعلم جيداً أن مصففة الشعر ربما قد ضجرت منك وبذلت جهداً جهيداً ولبثت أمداً طويلاًحتى وصلت إلى هذه النتيجة مع هذه الخصلة العنيدة لكي تتكرمي وتظهريها على العطشى في العمل أو الجامعة أو في مراكز التسوق الذين ينتظرون بشوق للتطلع إلى خصلة شعرك الظاهرة !! أم هل هو صراع نفسي في داخل من تفعل ذلك أم ماذا ؟؟

ربما يكون أقرب تفسير هو مبدأ "الرقص على السلالم"، فهي لا تستطيع كشف شعرها كاملاً لاعتبارات ليس الالتزام الديني من بينها، ومن جهة أخرى تحاول أن تفتح لنفسها هذه النافذة الصغيرة لتشبع به رغبتها الجامحة في تقليد الأخريات من حولها، وهي لا تدري أنها بذلك قد تفتح على نفسها نافذة ليس إلى التحضر والتمدن كما تتوهم، ولكن إلى نافذة ربما تقودها إلى ردهات جهنم وبئس المصير.

Sunday, January 14, 2007

خُبــز السيد بوش
استمعت إلى خطاب الرئيس بوش إلى الأمة الأمريكية عبر موقع البيت الأبيض على الإنترنت، ثم قرأت نص الخطاب كاملاً لعلي أجد على النار هدى فلم أجد إلا مكابرة ومعاندة ولف ودوران في حلقة مفرغة وكلاماً مكرراً لا جديد فيه ربما باستثناء قراره بإرسال أكثر من عشرين ألف جندي إلى العراق، وحتى هذا أيضاً لا يعتبر شيئاً جديداً إذا علمنا أنه كان في وقت سابق بالعراق أكثر من مائة وخمسين ألف جندي أمريكي ولم يفعلوا شيئاً في وقت لم تكن المقاومة العراقية بالكفاءة والخبرة الكبيرة التي وصلت إليها اليوم، وهذا يعني أنه بارسال المزيد من الجنود ستزيد عدد الأهداف التي يهاجمها أفراد المقاومة العراقية الباسلة.

منذ أكثر من عام وفي30 نوفمبر 2005، أجهد السيد بوش نفسه وقطع 32 ميلاً من البيت الأبيض إلى مقر الأكاديمية البحرية ليعلن من هناك ومن وراء منصة مكتوباً عليها بخط واضح كبير "خطة للنصرPlan For Victory " عن الخطة التي أعدها البيت الأبيض في نحو 35 صفحة حملت عنوان "الإستراتيجية الوطنية للنصر في العراق"، وكتبنا في ذلك الوقت تحت نفس العنوان "خبز السيد بوش" ، تصديقاً للمثل الشعبي الذي مفاده أن "الجوعان دائماً يحلم بسوق الخبز" والنصر في العراق هو خبز السيد بوش الذي أثبت فعلاً أنه يحلم به كثيراً، ففي خطابه بالأكاديمية البحرية منذ أكثر من عام وردت كلمة "النصر Victory " خمس عشرة مرة !

لكن في خطابه المتلفز الأربعاء الماضي 10 يناير 2007 لم يكرر كلمة النصر كما في العام الماضي إلا ثلاث مرات فقط، ولكنه ركز حديثه هذه المرة عن الفشل والإخفاق والأخطاء، وإليكم هذه المقتطفات من خطابه؛ "الفشل في العراق سوف يكون كارثة على الولايات المتحدة.لقد فشلت جهودنا السابقة لتأمين بغداد. نتفق جميعاً أنه لا توجد معادلة سحرية للنصر في العراق. لقد ارتُبكت أخطاء في العراق وأتحمل كامل المسؤولية. إنه لمن الواضح أننا بحاجة إلى تغيير استراتيجيتنا في العراق. إن دولاً مثل السعودية ومصر والأردن دول الخليج بحاجة إلى أن تعي أن هزيمة أمريكا في العراق سوف تخلق ملاذاً جديداً للمتطرفين كما أنها ستمثل تهديداً استراتيجيا لبقائها. عواقب الفشل واضحة؛ سوف تقوى شوكة الإسلاميين المتطرفين وسوف يجندون أعضاءً جدد. لن يكون النصر مماثلاً لما حققه أسلافنا،فلن يكون هناك مراسم إستسلام تقام على ظهر سفينة حربية. سوف يتطلب هذا العام مزيداً من الصبر والتضحيات والعزم".

لم أجد تعليقاً على تعنت ومكابرة هذا الرجل أبلغ من النقد اللاذع الذي جاء في إفتتاحية صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في اليوم التالي لإلقاء الخطاب 11 يناير 2007، فقد جاء في الإفتتاحية التي حملت عنوان "الكارثة الحقيقية"؛ "أخبر الرئيس بوش الأمريكيين في الليلة الماضية أن الفشل في العراق سوف يكون كارثة.إن الكارثة هي حرب السيد بوش والتي فشل فيها بالفعل، وفي الليلة الماضية كانت فرصته للتوقف عن إثارة المزيد من الضبابية ويكون أميناً مع أمته ولكنه لم يستغل هذه الفرصة التي اتيحت له.إن الأمريكيين بحاجة إلى خطة واضحة لتخليص القوات الأمريكية من الكارثة التي تسبب فيها السيد بوش، ولكن ما استمعوا إليه هو كلام مرسل عن الحرب على الإرهاب وتأسيس "ديمقراطية فتيّة" في العراق، إن هذه هي طريقة الرئيس لكسب المزيد من الوقت وترك هذا المأزق لمن سيخلفه.لقد قال إنه حذر العراقيين من أنهم إذا لم يبدوا التزاماً فإنهم سيفقدون ثقة الأمريكيين،ألم يلاحظ السيد بوش أن الأمريكيين قد فقدوا ومنذ مدة طويلة ثقتهم في الحكومة العراقية وفي بوش نفسه؟ فالأمريكيين يعرفون أن الحكومة العراقية أسيرة الميليشيات الشيعية التي لا تهتم بمسألة الوحدة والمصالحة والديمقراطية التي يريدها السيد بوش.لقد وصلت هذه الحرب إلى نقطة إذا طال أمدها أكثر فإن النهاية ستكون أكثر سوءاً، وبدون خطة حقيقية لوضع نهاية لهذه الحرب؛ يكون الحديث عن برامج الوظائف والعمليات العسكرية لا فائدة منه، ولن يكون هناك شيئاً منظوراً إلا كارثة أكبر في العراق"

بوش وأركان إدارته في ورطة حقيقية في العراق، ففي العراق مقاومين شرفاء على أيديهم سينكسر المحتل وينسحب يجر أذيال الذل والهزيمة وسوف يندحر مثلما اندحر سابقيه من الغزاة على مر العصور، فهذا هو قانون البشرية الخالد الذي سوف يدوم ما دام هناك شرفاء يزودون عن أرضهم وعرضهم بأرواحهم وأموالهم وكل ما يملكون في سبيل تحرير الأرض وصيانة العرض رغم كل هذا الحديث عن استراتيجة جديدة أو قديمة، ولا أدري لماذا كل هذه الدعاية البائسة ؟ فإذا كانت لديك إستراتيجية للنصر فتفضل بتنفيذها على الأرض ودعنا نرى، ولكن الحقيقة أنه يأمل في إيجاد أي مخرج من هذا النفق المظلم الذي وضع نفسه فيه بغطرسته وتفرده بقرار غزو العراق متحدياً العالم كله على طريقة " مَنْ أشد منّا قوة ؟"، حتماً سينكسر بوش وجنده رغم الدعم المعلن لاستراتيجيته الجديدة في العراق من أنظمة عربية بالية شاخت في مواقعها ولم يعد لها مكان إلا على رفوف المتاحف.

Tuesday, December 26, 2006

No Celebrations!! It doesn't deserve !

رغم مرور كل هذه السنوات؛ إلا أن ذكراها ما تزال حاضرة بقوة في ذاكرته التي أتعبته لقدرتها الغريبة على الاحتفاظ حتى بأبسط المواقف، حتى في الأيام التي يرى الكثيرون أنها تستحق الاحتفال والفرح يجد نفسه ينتابه شعور بإحساس مختلف خاصة مع طيفها الذي يحضر بقوة في مثل تلك المناسبات، وربما يجدها مناسبة لا للحديث عن المناسبة، لكونها في رأيه لا تستحق، ولكنها من يستحق الحديث عنها ومعها، لأن كلما مر عليه يوم وصادف غيرها يتأكد له حجم الهوة بينها وبين غيرها ..فعلاً إنها متفردة ولن تتكرر !!
لكن الغريب في الأمر والذي لا أتفق معه فيه هو أنه تحت ذاك التأثير المحزن لتواتر تلك الذكريات أجده يقدم على تصرفات يغلب عليها الإنفعال فبمجرد أن تلوح أمامه في الأفق إشارات ربما تؤدي به إلى السير في نفس الطريق الذي لم تندمل جراحه إلى اليوم، أجده يتصرف بإندفاع وإنفعال وخوف من تكرار ما حدث، وفي الغالب يكون ذلك التصرف على حساب أناس آخرين جديدين لا ذنب لهم فيما حدث له وكل ما فعلوه هو محاولة الإقتراب من عالمه الغامض وربما المتناقض، ولكنني عرفت لماذا يفعل ذلك وقد صارحته بحقيقة الأمر وهو أنه يتصرف بهذه الطريقة التي يراها نقطة دفاع متقدم حتى يجنّب نفسه ما قد يواجهه إذا هو سلك نفس الطريق الذي ذاق فيه ما ذاق.
وكثيراً ما نصحته أن يتحرر من ذلك الوهم الذي يصوره لنفسه بأنه غير قادر على طرح تلك الذكريات جانباً، فأنا على يقين بأنه يقدر على ذلك، ولابد أن يعلم جيداً أن الأهم في الأمر ألا يؤثر ذلك بأي حال من الأحوال على من حوله خاصة من هم حديثي المعرفة به حتى لا يخسر هؤلاء أيضاً كما تعوّد أن يخسر، وقد وجدته دائماً يتهرب من سؤال طالما طرحته عليه وهو: لماذا يا عزيزي تتسبب بيديك النظيفتين في شقائك؟ لماذا تتفنن في تذكير نفسك بما لا تحب أن تتذكره ؟ فأنت تعلم مثلي أنه قد ولّى زمن الممكن فقد قُضي الأمر وأُسدل الستار وربما لا يستحق هذا الذي عانيت من أجله ولم تجده عوناً وسنداً لك في سبيل تحقيق ما حلمتما به معاً، فهو في رأيي لا يستحق كل هذه المعاناة التي تستسلم لها بإرادتك، فجأة وجدته قد قطع صمته الطويل وقاطعني بشدة مُلقياً في وجهي بحقائق علمها وتأكد من صدقيتها، حقائق وتفسيرات تبرىء ساحة صاحبه، ثم أخذ يردد قول الشاعر
أساحرتي ظلمتك في تصاويري وتدويني
وخُنتك في خيالاتي وأنك لم تخونيني
وصفتك بالذي أكره وعشت لمن يوسوس لي
فإن جادت لك الأيام عن ثمني فبيعيني
وصفتك ما تلا قلبي على كبدي توسله
فصرت النهب للأحزان تأسرني وتسبيني
أعز الناس، أغلى الناس، أرحم منْ رأت عيني
ملاك مِتُّ أعشقه وصمت الموت يحييني
فقد ألقاك في سِنتي وقد ألقاك في الدنيا
وقد ألقاك في الجنة وهذا العز يكفيني

Thursday, November 23, 2006

ديكتاتور تحت التدريب

هبّت نسائم الحرية والديموقراطية على ربوع العالم أجمع حتى سمعنا عن دولة اسمها "توجو"، ورغم ذلك لم تصب عالمنا العربي من المحيط الثائر إلى الخليج الهادر أي من هذه النفحات الحرة، فقد استعصت هذه المنطقة من العالم بالذات عن مواكبة هذه الموجات المتتابعة من الحرية والديموقراطية من أوكرانيا إلى قيغيزيا إلى السنغال وليبيريا والنيبال وبنجلادش، فيا ترى ما سبب عدم تأثر هذه المنطقة بالذات عما يحدث في العالم حولنا من تغيرات إيجابية في مجال الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان؟

الإجابة على ألسنتنا نتقاذفها مباشرة بمناسبة ومن غير مناسبة وهي الشمّاعة التي نعلّق عليها كل إخفاقاتنا ألا وهي الحكام العرب فهم –حسب زعمنا- سبب هذه النكسات ولم نكلف أنفسنا ولو للحظة واحدة أن ننظر إلى داخلنا أي ينظر كل منا ويتمعن داخل نفسه، نظرة نقد ذاتي، ليرى ويكشف أمام نفسه الجقيقة المرة، وهي أن كل منا بداخله "ميني ديكتاتور" أو ديكتاتور صغير كامن ينتظر ويتحين الفرصة لكي ينتفض ويفصح عن وجوده بقوة إذا واتته الفرصة.

فلينظر كل مسؤول صغير ويتمعن في طريقته في التعامل مع مرؤوسيه فسوف تجد نفس الأسلوب الذي لا نكل ولا نمل من إنتقاده ليل نهار، نعم لو دققنا النظر فسوف نجد أن الغالبية العظمى تجد الواحد منهم في الحقيقة هو ديكتاتور تحت التدريب فقط ينتظر دوره.

وبمجرد أن تجيئه الفرصة، أي فرصة، حتي ولو كانت في شكل كيان افتراضي Virtual Entity لا وجود له علي أرض الواقع فستجد من يدعي أنه ملكاً (بكسر الميم) للأمة كلها أو أنه ليس شخصاً بل حالة! (نعم، ولكن حالة مرضية) وكأنه في عزبته الخاصة يحجب هذا ويطرد هذا ويرفع هذا إلي عليين ثم يهبط به إلي سابع أرض لا لشيء سوي أنه تجرأ وخالفه الرأي! أليس هذا هو نفس الأسلوب الذي تنتقده ليل نهار أيها الإنسان العربي الحر؟
الويل ثم الويل لك لو تجرأت وأعلنت صراحة وعلانية خلافك معه في الرأي فستجده-وسط الصمت المطبق لزمرة "حملة المباخر"- يشنّ عليك حملة شعواء، عن جهل، بهدف الإساءة إلى سجلك الناصع، لدرجة ربما تصل لاتهامك بالعمالة للإمبريالية الغربية أو الباذنجانية، مستخدماً أبشع الألفاظ وأحط المفردات التي هي أسلوب السوقى وليس أسلوب من يسعى لقيادة آلاف العقول المستنيرة، وأنصحك حينها ألا تكلف نفسك عناء الرد على تلك البذاءات و القاذورات التي قد تُلقى عليك لأنه بالطبع ليس هذا أسلوبك ولك أن تحتفظ بحقك الذي يجب أن " يُترجم" إلى التصرف الأمثل والأنسب بعيداً عن المهاترات وإضاعة الوقت.

والآن وبعد كل تلك النكسات المتلاحقة التي ألمت بك وبكيانك الافتراضي؛ ألم يحن الوقت أيها الديكتاتور الصغير أن تعي الدروس والعبر من كل ما يحدث نتيجة لأسلوب الغطرسة والاستعلاء وتبني سياسة ما أريكم إلا ما أرى؟

Tuesday, November 14, 2006

أفــراح الكـرة المصــرية

لم تكن الأسباب الصحية وحدها هي التي منعتي من التواصل مع مدونتي الشخصية على مدى ما يقرب من شهرين؛ ولكن معها الشعور بالإحباط وخيبة الأمل الذي يلازم الواحد منا نتيجة متابعة ما يجري حولنا من أحداث، ففي كل جريدة تطالعها سواء كانت عربية أو أجنبية تجد تعاقب مسلسل الذل والمهانة والإحباط والفشل الذريع على جميع الأصعدة والتي يبين لنا حجم التخلف والوهن والضعف الذي وصلنا إليه، وفي كل خبر أو تحليل تقع عليه عيناك يصيبك الهم والغم والنكد وفقدان الشهية جراء ما تقرأ وتطالع لدرجة أنه يراودني تفكير عميق هذه الأيام أن أتوقف عن متابعة الجرائد العربية منها والإفرنجية وأبقى مع أفلام الكرتون على قناة سبيس تون "Space Toon" !
خذ على سبيل المثال ما حدث في مصر ثاني أيام العيد من تحرش جنسي سافر بالفتيات في وسط القاهرة والذي لا أجد له عنوان إلا غياب الدولة، ولو أن هذه المنطقة من العاصمة يقع فيها نادي القضاة أو نقابة الصحفيين لأحاطت بها الآلاف من جنود أمن النظام، لكن خلاف ذلك لا يهم، فهتك أعراض النساء في الشوارع كله يهون في سبيل تحقيق الأهداف الأخرى التي تبدو بالنسبة لعلية القوم أكثر أهمية، وبالمناسبة هناك في مصر كيان له وجود يسمى المجلس القومي للمرأة ونتساءل: أين هوانم هذا المجلس من كل ما جرى أم أن الفتيات اللاتي تعرضن للتحرش لسن على قدر المقام أو أنهن "بيئة.. ياي!" ولا يرطّن مثلهن بكلمات إفرنجية ولا يتحدثن من أنوفهن تعبيراً عن التمدن والحداثة !

ثم تابعت ما حدث في إنتخابات الإتحادات الطلابية في الجامعة والتدخل السافر للأمن في هذه الإنتخابات، ولا أدري كيف ينشأ ويتعلم طالب المفروض أنه من سيتحمل المسؤولية في المستقبل في ظل هذه الظروف والإجراءات القمعية أم أن مواقع القيادة في البلد ليست لهؤلاء الذين هم من عامة الشعب وإنما كل مسؤول في موقعه يعلم جيداً ويجهز لمن يخلفه من أبناء مصر الأخرى.

ولم تختلف انتخابات النقابات العمالية عن ذلك كثيراً فقد تفتق ذهن المسؤولين سواء في الانتخابات الطلابية أو انتخابات النقابات العمالية هذه المرة عن إختراع جديد، هو آخر تجليات الفكر الجديد والانطلاقات البائسة نحو ما يسمى بالمستقبل، فقد استحدث المسئولون وسيلة جديدة وهي شطب المرشحين غير الموالين للبلاط أي تجفيف منابع المرشحين منذ البداية على طريقة تجفيف منابع التدين في تونس الخضراء !

الغريب والمضحك في الأمر، على اعتبار أن شر البلية ما يضحك، هو ما سمعته من أن مصر قد أرسلت مراقبين شاركوا في مراقبة انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي التي جرت في أوائل هذا الشهر!! نعم؛ فقد شاهدت رهط منهم في إحدى البرامج التليفزيونية، آه والله شفتهم !!

وفي ظل كل هذه الإخفاقات المتتالية وما صاحبها من شعور بالإحباط وخيبة الأمل ويأس من إمكانية تغير ذلك الواقع المظلم؛ أسعدنا فريق الأهلي المصري بفوزه كأس بطولة الأندية الإفريقية لكرة القدم إثر تغلبه باقتدار في مباراة الإياب على فريق الصفاقسي التونسي الشقيق بهدف دون مقابل، فقد رسم الأهلي الفرحة على وجوهنا بعد أن كساها الحزن على أحوالنا التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

قوة وتماسك وبراعة فريق الأهلي أذهلت الجميع وكل من اعتقد-أو تمنّى- أن فوز الأهلي بالبطولة هو حلم بعيد المنال خاصة بعد تعادل الأهلي مع الصفاقسي في مباراة الذهاب بالقاهرة بهدف لمثله، إلا أن الأهلي فاجأ الجميع وأحرز البطولة وسط أكثر من 60 ألف مشجع تونسي.

وأعتقد أنه من المفترض أن هذا الفوز الغالي وهذا النصر الثمين قد أسعد كل المصريين بما فيهم مشجعي أندية الزمالك والمصري والإسماعيلي(!)، خاصة وأن هذا الفوز قد جاء بعد أقل من عشرة أشهر من فوز المنتخب المصري لكرة القدم ببطولة أفريقيا مما يؤكد تصدر مصر المشهد الكروي الإفريقي على مستوى المنتخبات والأندية.

وقد جاء الفوز بهذه البطولة الغالية ليفتح الطريق أمام الفريق العريق لتمثيل مصر والكرة الإفريقية في بطولة العالم للأندية التي ستقام باليابان الشهر القادم، مع تمنياتي بكل التوفيق لبطل القرن في أفريقيا وقلعة البطولات النادي الأهلي المصري.

يبقى أن أقول أن النادي الأهلي المصري ليس لاعبين فقط وإنما هم لبنة في بناء متكامل ومتناغم ويكمّل بعضه بعضاً، حيث يجمع الحب والتفاهم والإخاء كل من ينتمي إلى هذا النادي العريق الذي حصل على لقب نادي القرن في أفريقيا بجدارة، الأهلي هو صرح للمباديء والقيم التي أرساها الراحل صالح سليم الرئيس السابق للنادي واليوم يدير هذا الصرح الرياضي الكبير أحد تلامذته وهو الأستاذ حسن حمدي رئيس نادي الأهلي وهو شخص لا يعرف الصراخ والصياح ولا التهديد والوعيد ولا تستهويه كاميرات الفضائيات ولا أعمال البلطجة مثل الكثيرين غيره من الذين نقلوا الحوار داخل أنديتهم إلى قاعات المحاكم.

Wednesday, September 27, 2006

الحُجة والتبيان حول ازدواجية جماعة الإخوان


لعل من أخطر ما أسفرت عنه نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر (نوفمبر 2005) أنها جعلت الحليم حيراناً، فقد أفرزت نتائج الانتخابات صورة مزيفة لممثلي الشعب المصري لا تعبر بأي حال من الأحوال عن الواقع، ووضعت المرء أمام خيارين أحلاهما مر، فقد أنتجت الانتخابات فريقين(فسطاطين) لا ثالث لهما، ففي حين حقق الحزب الوطني الحاكم –كالعادة- الأغلبية الساحقة احتلت جماعة الإخوان المسلمين المرتبة الثانية بعدد مقاعد بلغ 88 مقعداً في مفاجأة لم يكن يتوقعها حتى أكثر أعضاء الجماعة تفاؤلاً.

ومن المسلّم به - عدا في الإعلام الحكومي- أن الحزب الحاكم لا يحظى بشعبية تذكر باستثناء أعضاؤه والمستفيدين من الكعكة وهذا أمر طبيعي، لأنه على رأي سكرتير تحرير الراية "قد بات مؤكداً أنه سبب نكبات مصر، وطالما هو موجود في الحكم بأي ثمن فإن النكبات ستزداد وتتفاقم إلى نهاية لا يعلمها إلا الله وحده"، وربما يكون من الأنسب في رأيي أن يُسمّى حزب النكبات والقطارات والعبّارات والسرطانات والسرقات والمعتقلات وتزوير الانتخابات...الخ

قرأت كثيراً من النقد بحق الإخوان وشاهدت برامج تليفزيونية تقطر حقداً على الجماعة، وهي حفلات كراهية تسمى زورا وبهتانا برامج تلفزيونية يسعى القوم من خلالها منافسة القنوات الإخبارية المحترمة التي بينهم وبين الوصول لمستواها أمداً بعيداً، ورغم كل هذا لم أتأثر بأي وجهة نظر مدفوعة بغرض شخصي أو منفعة دنيوية زائلة، ولا أعتقد أن هناك عاقلاً قد تأثر بتلك الحملات الموجهة بل على العكس ربما ساهم هذا النقد المنظم في تعاطف الناس والتفافهم حول الجماعة، وفي هذه الأجواء المشحونة بالنقد المبرر وغير المبرر للجماعة لدرجة أننا نستطيع أن نميز بوضوح موجات متتابعة منظمة ومنسقة لانتقاد الجماعة وتبدو وكأنها مواسم للهجوم على الإخوان، يجد المرء نفسه يتردد دائماً في توجيه النقد لهم فهو إن انتقدهم فالتهمة جاهزة فهو محسوب على الجانب الآخر "أصحاب الفكر الجديد والانطلاقات البائسة المتعددة نحو ما يسمى بالمستقبل" وبئس الفريق هو، وإن أثنى عليهم قالوا إنه "اخوانجي" لا قدّر الله !ولهذا يتردد المرء ألف مرة رغم أنه هناك الكثير الذي يستحق النقد في المسيرة المِعوجّة للجماعة.

مساء الأحد 17 سبتمبر الجاري وفي طريق عودتي للمنزل سمعت عبر البث الإذاعي لقناة الجزيرة نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين معلقاً على كلمة بابا الفاتيكان في العِظة الأسبوعية والتي قال فيها إنه قد أسف لردة الفعل في العالم الإسلامي وأنه ما اقتبسه من كلام الإمبراطور لا يعبر عن رأيه، المهم قال نائب المرشد إن هذا لا يكفي وأنه لا يعتبر اعتذارا بالمرة ويجب على المسلمين عدم قبوله لأنه لا يعتبر بأي حال من الأحوال اعتذارا، وهذا كلام جميل ينسجم مع التوجه العام في الشارع الإسلامي ويتوافق مع رأي كبار علماء المسلمين وعلى رأسهم فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

ولكن في اليوم التالي وأنا أقرأ تغطية وكالة الصحافة الفرنسية لنفس الموضوع فوجئت بتصريح آخر لنفس الشخص وهو السيد محمد حبيب يقول كلاماً آخر – والترجمة للكاتب- "وقال محمد حبيب العضو البارز في جماعة الإخوان المسلمين المصرية المعارضة، قال لوكالة الصحافة الفرنسية أن الجماعة تعتبر اعتذار البابا تراجعاً عن تصريحاته السابقة أي كأنه سحب تصريحاته"

إذن فالقوم يمارسون لعبة البيضة الحجر.. يعزفون ما يُطرب مستمعيهم، فهم يخاطبوننا نحن العرب عبر الجزيرة بلغة مختلفة عن تلك التي يخاطبون بها الفرنجة في الغرب! ففي حديثه للجزيرة يبدو ممثل الجماعة وكأنهم مع الثائرين الغاضبين من أبناء جلدتهم من المسلمين، فهم معنا في نفس الخندق يذودون عن حياض الدين بالغالي والرخيص، ولكنهم في تصريحاتهم لوسائل إعلام الغرب يفصحون عن الوجه الآخر "المتسامح" لكي يظهروا في صورة مَنْ يعفو عمن ظلمه!وذلك في سبيل كسب تعاطف الغرب، وإنه لمكرٌ لو تعلمون عظيم !

هؤلاء هم الإخوان وهذا هو الحزب الوطني ونحن بين مطرقة هذا وسندان هؤلاء لا حول لنا ولا قوة، فمن المؤسف أنه يُراد لنا بطريقة أو بأخرى أن نؤمن أنه لا يوجد في مصر من بديل للحزب الوطني الحاكم إلا جماعة الإخوان المسلمين، وهذا في رأيي استخفاف بعقولنا، فبين هذا وتلك مسافة كبيرة وأطياف عديدة، وإذا خُيّرت أنا شخصياً أيهما أختار فسأرفضهما معاً وأبقى دون اختيار، وحتى لا أضطر أنا أو غيري إلى تفضيل "ثلاثة أرباع العمى على العمى كله" ولكي لا أوضع أنا أو غيري أمام هذا الاختيار الصعب وغير المنصف؛ أدعو الله أن أغمض عيناي وأفتحهما فلا أجد لهذين الفريقين أي وجود في بر مصر، قادر يا كريم..


Monday, September 11, 2006

طه الشاذلي في عمارة يعقوبيان

"رجعي" أنا في مسألة مشاهدة الأفلام ! وعندما حدثت الضجة التي صاحبت عرض فيلم عمارة يعقوبيان، بطولة الممثل المصري العجوز المتصابي عادل إمام، دفعني الفضول لمعرفة سبب كل هذه الضجة التي أثيرت حوله، ولأنني كما ذكرت في البداية "رجعي" أي لا أشاهد الأفلام؛ فقد كانت رواية علاء الأسواني "عمارة يعقوبيان" ضمن قائمة الكتب التي أوصيت صديقي المسافر للإسكندرية في أجازة سنوية بإحضارها معه عند عودته إلى الدوحة، لكي أقرأها لأقف على سبب ذاك الجدل الكبير الذي صاحب نشر الرواية وعرض الفيلم، وقد كنت قد قرأت كثيراً عن الرواية واشترك كل من قرأتهم في إعجابهم بالرواية حتى أن الأستاذ طه خليفة، سكرتير تحرير الراية، قال أنه قد قرأها في جِلسة واحدة(الرواية 348 صفحة)!

عندما انتهيت من قراءة الرواية أيقنت أن لا أحد ممن قرأت تعليقاتهم عن الرواية قد أوفاها حقها، فالرواية يطغى عليها البعد الإنساني للروائي الإنسان الذي يقترب من حياة البؤساء وليس لدي أدنى شك في أن كاتب الرواية قد عاصر عن قرب أناساً من البؤساء الذين تحدث عنهم في روايته الرائعة، وهذه هي وظيفة المبدع وكل صاحب قلم، فيجب عليه ألا ينسلخ من هموم الناس ومعاناتهم فقيمة نجاحه مرتبطة دائماً بالتعبير عن آلام وآمال هؤلاء الأشقياء الذين لا حصر لهم كما يقول عنهم "المنفلوطي"، رحمه الله، في مقدمة كتابه العبرات" الأشقياء في الدنيا كثير" نعم إنهم كثر ولكن من يحس بهم ومن يشعر بمعاناتهم ومن يعرف مرارة الأيام وقسوة السنين التي يعيشونها؟

يتناول الكاتب في روايته نموذج مصغر للشعب المصري المكلوم، وعندما تقرأ الرواية تجد نفسك تعرف الكثيرين من أشخاص هذه الرواية، ولكنني أجد نفسي منجذباً للحديث عن إحدى الشخصيات الرئيسة في الرواية وهو طه الشاذلي ذلك الشاب المتفوق المكافح الذي اجتهد وصبر وكافح وجمع بين استذكار دروسه ومساعدة والده في عمله، ورغم حصوله على مجموع كبير في الثانوية العامة إلا أن أمنيته كانت أن يلتحق بكلية الشرطة ولكنه فشل، أتدري لماذا؟ لأنه غير لائق اجتماعيا !فجريمته هي أن والده بواب عمارة !

عندما وصلت إلى هذه النقطة في الرواية تذكرت على الفور واقعة حدثت مع شاب مصري منذ ثلاث سنوات تقريباً، وهو عبد الحميد شتا خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ويتقن الإنجليزية والفرنسية، وتقدم لوظيفة بسلك التمثيل التجاري التابع لقطاع التجارة الخارجية بوزارة الخارجية المصرية، وبعد أن جاء ترتيبه الأول في إختبارت القبول للوظيفة فوجيء بعدم إدراج اسمه بين المرشحين للوظيفة ! أتدري لماذا ؟ فقد تم استبعاده بتأشيرة عنصرية تقول " غير لائق اجتماعيا، هذه الملعونة حالت بينه وبين تحقيق حلمه، لأن والده فلاح مصري بسيط من عامة الشعب كل جريمته انه أصر علي تعليم أبنائه المتفوقين، وإلحاقهم بكليات مرموقة، لم يحتمل عبد الحميد شتا الصدمة فتوجه إلى كوبري قصر النيل بوسط القاهرة، ثم أخرج ما في جيبه من وثائق شخصية وجنيهات معدودة ثم ألقى بنفسه في النهر، وكأنه وسط أجواء الصخب والفساد والظلم يطلق صرخة مدوية علّها تخترق الحُجب لتصل إلى كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

لا فرق بين طه الشاذلي وعبد الحميد شتا في شيء فقد اشتركا في المعاناة والشقاء والحرمان في حياتهما واشتركا أيضاً في الظلم الذي وقع عليهما مما دفعهما للتخلص من الحياة سعياً إلى الراحة هناك في دار العدل وقد اختار كل منهما طريقته في الخلاص ففي حين ألقى عبد الحميد الشاذلي بنفسه من فوق كوبري قصر النيل فقد انتحر طه الشاذلي بطريقة أخرى حيث انخرط في أحد الجماعات المتطرفة واشترك في عملية اغتيال أحد مقاولي التعذيب في المعتقلات، ضابط أمن الدولة العقيد صالح رشوان، الذي عانى طه على يديه الأمرّين وأهينت كرامته فكأنه يثأر لنفسه ولرفاقه وقد قتل طه في هذه العملية.

"البلد دي مش بلدنا يا طه.دي بلد اللي معه فلوس.لو كان معك عشرين ألف جنيه ودفعتهم رشوة كان حد سألك عن شغلة أبوك ؟!اعمل فلوس يا طه تكسب كل حاجة أما لو فضلت فقير هتندهس دهس.."، كانت هذه الكلمات التي ألقتها بثينة –التي حال الفقر بين طه الشاذلي وبين الارتباط بها- على مسامعه وكأنها تلقي بجردل من الماء البارد على رأسه لكي تفيقه مما كان يحلم به، فقد ثبت له بالتجربة أنه لا مكان لفقير بائس مثله في هذه البلدة الظالم أهلها، وهي نفس الكلمات التي – حسب ظني- رددها عبد الحميد شتا خريج الاقتصاد والعلوم السياسية قبل أن يلقي بنفسه في النهر "البلد دي مش بلدنا دي بلد اللي معاه فلوس"

وأختم مع نموذج آخر من هؤلاء البؤساء تعبر عنه شاعرة العامية المصرية سهير متولي في قصيدتها رقم قومي:

بسكن هنا وخلاص
بسكن مع الساكنين
مع ام محمد اللي تدق على بابي
توريني الورم ف الرقبه وتدّاري
دموعها ف طرف طرحتها
مهيش فاضيه عشان تعيا
ولا معاها عشان تعيا
لكن ويّاها زيي تمام
رقم قومي

Saturday, August 26, 2006

ليلة زفاف العمدة

"يا عُمدة".. هكذا كنا نناديه، وذلك لأن أباه اختار له اسماً على اسم جدّ لنا كان عمدة البلدة آنذاك، قصة صداقة لا مثيل لها من وجهة نظري، أقارب وجيران وأصدقاء، ليست صداقة عادية بل نموذج فريد من الصداقة يندر وجوده في هذه الأيام التي غلبت عليها المادة حتى جعلت حياة الناس وعلاقاتهم تحكمها موازين الربح والخسارة، لقد دامت هذه الصداقة حتى صارت نموذجاً
يحاكيه كل من رأى هذين الاسمين يقترنان ببعضهما بصورة لا تحدث حتى بين الإخوان الأشقاء.

"عطا" الذي يصغرني بعام واحد لم يفارقني إلا بعد أن أنهى دراسته فسافر للعمل في القاهرة ثم كان الفراق الأبعد عندما سافر للعمل بالسعودية وكنت أستعد وقتها للسفر إلى النرويج تلبية لدعوة تلقيتها من صديق قديم يعمل أستاذاً بجامعة أوسلو، لم استطع السفر بسبب أحداث اا سبتمبر 2001 الشهيرة أو "غزوة منهاتن" كما يسميها " أمير المؤمنين" أسامة بن لادن، ففي الوقت الذي فكّر فيها بقتل آلاف الأبرياء في برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك بالإضافة إلى من ساقهم حظهم العاثر لأن يكونوا من بين ركاب الطائرات التي اختطفها الانتحاريين واصطدموا بها في المباني التي بها أبرياء لا حول لهم ولا طول؛ لم يفكر الشيخ -غفر الله له- أنه قد قام دون أن يدري بتغيير مسار حياتي بنسبة مائة وثمانين درجة، فبعد أن حلمت بقرب تحقيق أملي الأكبر في إكمال دراستي بعد الجامعية بالنرويج؛ جاءت الأحداث لينتج عنها رفض طلبي للحصول على التأشيرة ثم صدور سلسلة من الإجراءات والقيود على كل عربي أو مسلم يرغب في السفر إلى هذه البلاد.

على أي حال رحل "العمدة" إلى السعودية في إبريل 2001 على ما أذكر، وبعد أن رُفض طلبي لتأشيرة النرويج مكثت عائداً مرة أخرى إلى مهنة التدريس التي اضطررت إلى قبولها رغم تأثيرها السلبي على نفسيتي، وإن سألتني لماذا أحرص على تجديد الأجازة سنوياً فلن أجد إجابة لذلك، فهذه المهنة تضعك رغماً عنك في إطار وقالب روتيني عفا عليه الزمن وتجد في محيط عملك من يتصرف وكأنه لا يرى ما يحدث في العالم من حوله، وهو في تنفيذه لتعليمات الروتين كأنه قرآن منزل مع أن الأيام والتجارب أثبتت عدم فاعلية وإمكانية هذه النظام البائس في التعليم فالمؤسسة التعليمية في مصر بحاجة إلى ثورة شاملة تبدأ بإعادة الاعتبار للمدرس في جميع جوانب حياته.

معذرة فقد تحوّل الحديث عن ليلة زفاف العمدة إلى سرد تاريخي شخصي أحاول تجنبه دائماً لأنني وبكل تأكيد ستتعثر قدماي وتصطدم بما لا أود أن أتذكره في تلك الفترة وما بعدها، لأن مرور طيف الذكرى محملاً بأحداث وصور بعض المواقف يترتب عليه عذابات لا تُحتمل في حياة مَنْ عانى مرارة الأيام وقسوة السنين على أيدي من توهّم الوفاء فيهم، وما تلبث حياة ذلك الشقي أن تتلون بألوان داكنة قاتمة، وخاصة عندما يسلب الله الإنسان نعمة النسيان فيكون ذلك إيذاناً باللوعة والمعاناة في تذكر ما لا يود أن يتذكره وفي سعي دائم إلى نسيان لا يستطيع إليه سبيلاً، ولهذا أتوقف عند هذا الحد وأكمل حديثي عن العمدة.

أهم ما يميز "عطا" في رأيي هو نقاء سريرته فقد عهدته دائماً لا يعرف الحقد أو الحسد إلى قلبه طريقاً، فهو إنسان وجدته محباً لكل الناس، ولهذا تجده يصادق الجميع، وإذا نظرت إلى أصدقائه فستجدهم "كوكتيل" متنوع من كل نوعيات البشر وابتسامته العريضة تلخص لك صفاء ونقاء سريره هذا الإنسان الاجتماعي المحب للناس في زمن ندر فيه ذلك.
وهو مثلي ومثل كل مصري لم يجد له مكاناً كريماً ووضعاً يليق به داخل حدود وطنه،فقد قهرته الظروف مثل كثيرين غيره وأنكرت عليه أن يحيا حياة كريمة وسط أهله وعلى تراب وطنه فآثر الهروب من ذلك الواقع المرير إلى الوهم والمجهول خارج حدود الوطن.
لقد سعى "العمدة" وبذل كل ما في وسعه لتحقيق ما يصبو إليه، أكثر من خمس سنوات منذ رحلته الأولى إلى السعودية قضاها في كدّ وتعب وصبر في سبيل تحقيق هدفه الذي وضعه نصب عينيه، وها هو اليوم يجني ما غرس ويحصد ما زرع.

لم يكن العمدة وحده في رحلة تحقيق هدفه فقد وجد مَنْ عرفت معنى التضحيات التي قدمها في غربته وحيداً بعيداً عن وطنه وأهله وأحبائه، ولهذا صبرت هذه الفتاة التي تستحق كل إحترام وتقدير وانتظرت سنوات طويلة ولم تفعل مثل كثيرات غيرها غرّهن بُهرج الدنيا الخدّاع في تعجّل غريب ليقضوا بأيديهن على تلك النبتة النضرة التي طالما رواها الطرف الآخر بأحلامه وأمانيه ثم بجهده وعرقه، ذلك الإنسان النقي الذي أيقن في النهاية أنه لم يخسر شيئاً ذا قيمة ولكنه قد خسر الوهم وخسارة الوهم مكسب.

اليوم 226 أغسطس 2006 هو يوم زفاف العمدة على مَنْ قضى سنوات الغربة من أجل الارتباط بها، ما أجمل الحصاد بعد الصبر وطول الانتظار، وما أروع أن يتحول حلم الإنسان إلى حقيقة نتيجة جهده وعرقه وصبره.

كم كنت أتمنى أن أكون متواجداً في هذا اليوم لكنها الغربة التي باعدت بيننا وبين من نحب وحرمتنا من مشاركتهم أسعد اللحظات في حياتهم وحياتنا، فقد جعلت الغربة ارتباطنا بأحبائنا لا يتعدى مكالمة هاتفية بين الحين والآخر، وأجدني اليوم أسأل نفسي: ما قيمة أي شيء مقابل عدم تمكني من التواجد في مناسبة مثل هذه؟ لقد شعرت بالأسى لعدم مقدرتي على التواجد معه في أسعد أيام حياته ولكنني هربت من حزني إلى فرحته ففرحت معه وله ورحت أسجل ما أشعر به وأهنئه على زفافه.

آلاف الأميال تفصل بيننا ولا أملك من أمري شيئاً ،ولكني على يقين أن ما يخرج من القلب سيصل حتماً إلى القلب، ولهذا أجدني أردد من كل قلبي: ألف مبروك يا "عمدة" وبالرفاء والبنين بإذن الله.

Tuesday, August 15, 2006

بيان اعتذار من "حزب الثلاثة" إلى حزب الله

بعد أن وضعت الحرب على لبنان أوزارها، وبعد أن تبين لكل ذي عينين النصر المؤزّر الذي حققته المقاومة الإسلامية، وما سطرته من بطولات مذهلة فاجأت الأعداء والأصدقاء على حد سواء، وبعد أن انهارت تلك الأسطورة الوهمية للجيش الصهيوني والذي تبين أن قوته تكمن فقط في قتل الأطفال، وبعد أن انهزم الصهاينة شر هزيمة أمام مجاهدي حزب الله، وبعد أن عمّت مشاعر المحبة والتلاحم بين جميع أبناء هذا الوطن العربي الكبير والإسلامي الأكبر، واختفت الخلافات والاختلافات المذهبية بين المسلمين مما جعل كل هؤلاء يعتبرون هذا النصر ليس لحزب الله ولا للبنان فقط وإنما لكل عربي ومسلم يرفض الذل والمهانة، بل اتسعت هذه الفرحة والغبطة لتشمل كل مضطهد ورافض للهيمنة الأمريكية والغطرسة الصهيونية، وبعد أن ظهر جلياً هذا الانحياز الصارخ للإدارة الأمريكية إلى جانب إسرائيل بداية من عرقلة مشاورات مجلس الأمن لوقف الحرب في بدايتها ثم منحها إسرائيل أكثر من شهر لتنفيذ أهدافها التي فشلت في تحقيقها بفضل المقاومة الباسلة ثم سعيها إلى إنقاذ ماء الوجه لإسرائيل عبر محاولة تحقيق نصر دبلوماسي لتعويض الفشل العسكري، وبعد أن أُعلن مؤخراً أن الإدارة الأمريكية متورطة في التخطيط للحرب على لبنان قبل عملية الوعد الصادق وهو ما نشره الصحفي الأمريكي المتألق "سيمور هيرش" في مجلة نيويوركر 14 أغسطس الجاري.
كل هذه الأسباب وغيرها هو ما دفعنا نحن "حزب الثلاثة" إلى تحرير وإصدار هذا الاعتذار العلني، وقد يستغرب كثيرون من هذا الفعل، ولكن الحقيقة أن ما جعلنا ننزل من أبراجنا العاجيّة هو يقيننا أن التاريخ لن يرحمنا، والأجيال القادمة لن تغفر لنا لو تمادينا في موقفنا المتخاذل الذي اتخذناه في بداية الحرب عندما وصفنا عملية حزب الله "الوعد الصادق" بالمغامرة، بعد كل هذه الأسباب وغيرها رأينا أن نلحق بركب العزة والكرامة قبل فوات الأوان وعندها لن ينفع الندم، خاصة بعد أن اتسعت الهوة والفجوة بيننا كحكام وبين شعوبنا التي أجمعت على وجوب نصرة المقاومة ودعمها بشتى السبل.
الآن سيقول كل منا كلمته وليتفضل أكبرنا سناً زعيم الدولة الغنية وأول من أطلق شرارة هذا الموقف المتخاذل عندما وصفت إدارته المقاومة بالمغامرة، "ليقبل الشعب اللبناني والمقاومة الشريفة هذا الاعتذار مني على موقف قد بدر في لحظة لم أزن الأمور فيها جيداً، فعلى الجبهة الداخلية عندما اتخذت هذا الموقف المتخاذل لم أراع مشاعر الملايين من أبناء شعبي من الشيعة ولم ألتفت إلى ما قد ينتج عنه من مشاعر الغضب والحزن والإحباط، وهم مواطنون من بين نسيج الوطن الذي يمر بظروف صعبة ينبغي التكاتف بين مختلف أبنائه لمواجهة الخطر المحدق متمثلاً في العنف الداخلي الذي يهدد أمن البلاد، إضافة إلى المخططات الغربية الصهيوأمريكية لتقسيم البلاد، ولهذا ما كان ينبغي أن أتخذ ذلك الموقف، وما كان ينبغي أن تصدر تلك الفتاوى التي حرّمت دعم حزب الله ولا حتى الدعاء له وهي فتاوى أصدرها أناس أعلن أني بريء منهم إلى يوم القيامة، فالمقاومة في لبنان هي وسام على صدر كل عربي ومسلم، وليسامحني كل عربي ومسلم تسبب موقفي السابق في أي إحباط أو حزن أو خيبة أمل شعر بها وليغفر لي كل لبناني فقد عزيز عليه أو دُمّر منزله أو أتلفت ممتلكاته جراء التمادي الصهيوني في العدوان نتيجة موقفي السابق في بداية الحرب على لبنان، فنحن وإخواننا الشيعة قرآننا واحد ورسولنا واحد ومصيرنا واحد".
أما أنا صاحب مذهب "العقلانية" وزعيم الدولة التي من المفترض أن تكون أهم دولة عربية لما لها من ثقل تاريخي وإرث حضاري، أعبّر هنا عن تنصّلي التام من ذلك الموقف الذي لا يليق بسمعة ومكانة البلد الذي أجلس على مقعد الزعامة فيه، وأعترف أن هذه الدولة العظيمة قد تحولت في عهدي من دولة رائدة إلى دولة تابعة لا وزن لها ولا قيمة في ساحة السياسية الخارجية، لقد تبين لي من بسالة مقاتلي حزب الله أن قوة إسرائيل ومن ورائها أمريكا هي وهم لا أكثر، فقد بدّد رجال حزب الله ذلك الوهم الذي عشش في أذهاننا لعقود طويلة، لقد كانت مفاجأة لنا صمود حزب الله وهو ما جعلنا نغيّر من موقفا هذا مؤخراً، ففي مقابلة مع وكالة رويترز 14 أغسطس الجاري قال وزير خارجيتنا "إن حزب الله قاتل بشرف"، فقد أدركنا جميعاً هذه الحقيقة، وأنا كرجل عسكري أقول إن ما حدث يعتبر إنجازاً غير مسبوق في تاريخ الصراعات العربية الإسرائيلية، فقد تعوّدنا أن نبكي ونصرخ ونُهجّر نحن العرب فقط، لكن حزب الله أحدث التوازن الذي رأينا فيه الإسرائيليين يهجرون منازلهم ويلجأون للملاجيء تحت الأرض كالديديان، رأيناهم وهم يرتجفون ويُضربون في العمق وهو ما لم يحدث من قبل، وهنا أعلن عن اعتذاري لأبطال حزب الله ولكل مسلم وعربي عن ذلك الموقف المتخاذل، ومعلوم للجميع أن ما دفعني لاتخاذ كل موقف يُرضي سادة البيت الأبيض هو رغبتي الشديدة -بعد أن بلغت من العمر أرذله- إكمال "زفّة" المحروسة إلى عريسها الشاب المدلل، ولكن بعد اليوم لن أطلب المدد من أحد خارج حدود وطني، ولكني سألجأ إلى شعبي وسأترك له حرية الاختيار لأنه لا قيمة لحكم دون رضا الشعب وتوافقه واتفاقه على مَنْ سيحكمه في المستقبل سواء كان ذلك الشاب أو غيره.
أما أنا فقد تأخرت في الحديث لأني أصغركم سناً وربما هذا ما يحتفظ لي بقليل من العذر على ذلك الموقف، فقد وجدت اثنتان من أهم الدولة العربية تتخذان موقفاً كهذا فتسرعت كعادتي وأيدت موقفهما، وهو الموقف الذي يصب في مسيرة سعيي الدائم لنيل رضا السادة في البيت الأبيض غير عابيء بمشاعر شعبي وهذا خطأ جسيم، هذا الشعب الذي رأيت حجم الهوة والفجوة بيني وبينه عندما وجدته يخرج في مظاهرات حاشدة مؤيداً لموقف مجاهدي حزب الله، ويعلم الجميع أنني كنت قد حذرت في السابق من هلال شيعي على أساس أن إخواننا الشيعة خطرٌ علينا في المنطقة، ولكني أدركت الآن أن هؤلاء الشيعة الذين يمثلهم حزب الله لم يجلبوا للمسلمين والعرب إلا العزة والكرامة فهم ليسوا خطراً ولا حتى خطراً محتمل وإنما الخطر والعدو الحقيقي هو القابع على حدودي الغربية، أحكم دولة مصادر الدخل فيها محدودة وربما هذا هو ما يجعلني أسعى للحصول على الدعم من هنا أو هناك في مقابل مواقف تؤثر سلباً على وحدة أمتنا العربية والإسلامية، ولكني أعلنها من اليوم أن هذا لن يحدث مرة أخرى فالحرة تموت ولا تأكل بثدييها.
Photos From Reuters

Wednesday, August 02, 2006

سلطـان الذكـرى

لا أعرف كم يحتاج الواحد منا من الأيام والسنين كي يتمكن من نسيان وطيّ صفحة ماضية من حياته، وكم من الوقت لكي ينسى ما ألمّ به في الماضي من مواقف محزنة وأحداث لا يود أن يتذكرها، وهي بحق أمنية غالية طالما تمنى الواحد منا أن تتحقق، لأن مرور طيف الذكرى محملاً بأحداث وصور تلك المواقف يترتب عليه عذابات لا تُحتمل في حياة مَنْ عانى مرارة الأيام وقسوة السنين على أيدي من توهّم الوفاء فيهم، و مَنْ جاءته الطعنات مِن درعه الذي احتمى به واعتقد – لنقاء سريرته - أنه يقيه ضربات الزمن فإذا به يتحول إلى خنجر مسموم يتوجه في غدر إلى صدره المكشوف ليستقر في أعماق قلبه الذي كان بيتاً وملاذاً آمناً له وحده، وما تلبث حياته أن تتلون بألوان داكنة قاتمة، وخاصة عندما يسلب الله الإنسان نعمة النسيان فيكون ذلك إيذاناً باللوعة والمعاناة في تذكر ما لا يود أن يتذكره وفي سعي دائم إلى نسيان لا يستطيع إليه سبيلاً، وتصل المعاناة ذروتها مع بزوغ فجر "آب"* من كل عام فنجده يردد:"آب" حزين يأبى أن يفارقني ** مع ذكريات شتى عن معاناتي.

وتتضاعف معاناة ذلك الذي يتناسى ولا يستطيع عندما يتذكر أنه لم يقترف إثماً ولا جريرة، وربما كان قد سعى قدر استطاعته في سبيل تحقيق ذلك الهدف، إلا أن هناك أُناساً غرّهم بُهرج الدنيا الخدّاع في تعجّل غريب ليقضوا بأيديهم على تلك النبتة النضرة التي طالما رواها بأحلامه وأمانيه ثم بجهده وعرقه، ولكن لا أدري لماذا إذن يحزن ذلك النقيّ الذي لم يدّخر جهداً في سبيل تحقيق هدفه رغم الصعاب، فلا يجب أبداً أن يستسلم لذلك الحزن لأنه في الواقع لم يخسر شيئاً ذا قيمة ولكنه قد خسر الوهم وخسارة الوهم مكسب.

كلمات رائعة ومعبرة قرأتها منذ أكثر من ثلاثة أعوام لأحد الكُتّاب ولا أزال أذكرها، فقد تحدث عن فكرة خسارة الوهم فقال ".. وهي فكرة يمكن تعميمها على أي شيء يختبره الإنسان ثم يكتشف فجأة أو بعد تجربة أنه لم يكن عند مستوى ما فكرة فيه أو شعر به. ومن ثم فإنه عندما يتنازل عنه أو يرفضه أو يغير فكره ومشاعره نحوه فإنه لا يخسر في الحقيقة شيئاً مهماً. وإنما يخسر الوهم الذي عاشه تحت سطوة الفكر والشعور الخاطئ. فأنت عندما تحب امرأة وتتوله في حبها ثم تكتشف خيانتها أو أنها عبيطة وبشعة من داخلها ولا تقدر قيمة عواطفك نحوها ثم تأخذ قرارك بنفيها من عالمك أو تجفيف مشاعرك نحوها .. عندما تفعل ذلك .. أنت لا تخسر هذه المرأة التي أحببتها وإنما تخسر وهمك فيها .. وهمك بأنك أحببت من لا يستحق.وهكذا .. انظر إلى أفكارك التي اكتشفت خطأها ومشاعرك التي أيقنت أنها صرفت تجاه من لا يستحقها.. انظر إليها بفكرة خسارة الوهم.. ستستريح جداً.. وستبدأ وهماً جديداً.. لكن وفي كل مرة عندما تكتشف وهمك تراجع فوراً وقل في نفسك: إنني خسرت الوهم.. لم أخسر شيئاً ذا قيمة.. لأنك أنت القيمة في الحقيقة وقيمتك تأتي من مشاعرك ونظافتك ومحبتك التي بذلتها حتى لمن كانوا وهماً في حياتك."

نعم، لا يجب أن يحزن الإنسان أو يلوم نفسه على نقائه وطهارته ونبل هدفه حتى لو كان ذلك وبالاً عليه، ولكن على العكس لابد أن يشعر بالفخر والزهو لأنه كان مترفعاً عن كل ما يعكر نقاء الصورة التي حلم بها وسعى جاهداً لكي يرسمها على أرض الواقع بكفاحه وعرقه، وحاول نسج خيوط تلك الحياة التي يتطلع إليه بمثابرته وصبره على ظروف من صنيعة آخرين وجد نفسه فيها ولم تكن أبداً وليدة اختياره، بل إنه سعى بكل ما أوتي من قوة أن يغير تلك الظروف ويتغلب عليها مهما كلفه ذلك في سبيل تحقيق هدفه الأسمى الذي طالما تطلّع إليه.

ولكن ذلك كلاماً نسطره بينما يصدع الواقع بحقيقة أخرى، وهي أن الأمر ليس بأيدينا فهناك أشياءً خارجة عن إرادة الإنسان، مثل رمشة العين وخفقان القلب وليس هناك من سبيل للتحكم فيها، فكم تمنى وحلُم هؤلاء الذين يعانون مرارة الذكرى بوسيلة سحرية ناجعة لكي يظفروا بتلك النعمة العظيمة.. نعمة النسيان لكي يتخلصوا إلى الأبد من سطوة تلك الذكريات المريرة، فهل هناك من سبيل إلى تلك الوصفة السحرية وهل هذا ممكناً حقاً ؟

تأتينا الإجابة على ذلك السؤال من تساؤل آخر يطرحه الشاعر أحمد رامي ذو الحس المرهف في قصيدته الرائعة "ذكريات" فيتساءل: "كيف أنساها وقلبي لم يزل يسكن جنبي ؟" فهنا يكمن السر وذلك هو موطن الداء، فطالما أن هناك قلباً يخفق وفؤاداً ينبض بالحياة لن تتحقق غاية النسيان ولن يحصل ذلك الشقي على مراده ولن يتمكن من نسيان تلك الذكريات المرة، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً وتشاء إرادته عز وجل أن يريح هذا الكائن الشقي من تلك الحياة التي لم يتمنْ فيها شيئاً وناله، حتى عندما وجد الحلم يدنو منه توهم أنه قد قبض بيديه الطاهرتين على الدنيا وتوهّم أن الله يكافئه عن كل ما لاقى من شقاء في هذه الدنيا الظالم أهلها واعتقد أن وقت الجزاء قد حان لكي يُكافأ على صبره ومثابرته ومعاناته طوال سنوات طويلة من الحرمان، ولكنه أفاق من غفوته التي طالما تمنى أن تطول ليدرك أن الأمر لم يكن أكثر من أضغاث أحلام وأن من كُتب عليه الشقاء يلازمه ولا يفارقه إلى أن يغادر هذه الدنيا ربما يجد راحته هناك.. في دار العدل.

وأختم بهذه الأبيات للشاعر العراقي حسن المرواني :

دَعْ عنك لَوْميْ وَأعزفْ عَنْ مَلامَاتي
إنْي هَويتْ سَريعاً مِنْ مُعاناتي
****
أنا الذي ضاع لي عامان من عمري
و باركت وهمي و صَدّقت افتراضاتي
****
عامان ما رفّ لي لحن على وتر
و لا استفاقت على نور سماواتي
****
عندي أحاديث حزن كيف أسطرها
تضيق ذرعاً بي أو في عباراتي
****
غداً سأذبح أحزاني وأدفنها
غداً سأطلق أنغامي الضحوكات
-------------------------
* "آب" (شهر أغسطس) وهو الشهر الثامن في التقويم الميلادي

Sunday, July 30, 2006

أيها المُغامر..نحن معك

جاهلية الموقف الرسمي العربي، هذا باختصار هو ما يوصف به موقف الحكومات العربية تجاه الحرب الإسرائيلية الشاملة على لبنان العربية، أصف الموقف بالجاهلية لأنه بالفعل ينطلق من خلفية مقيتة تعود بنا إلى عصر الجاهلية الأولى وتعيد بثّ الفرقة بين المسلمين في وقت يستدعي التوحد ونبذ الفرقة أكثر من أي وقت مضى.

هذه السُنّة السيئة التي تبنت هذا الموقف ذو الخلفية الطائفية سنتها حكومة السعودية في إشارة ضمنية ثم أصبحت صريحة مفادها أن حزب الله شيعي ولا يجوز أن ندعمه أو نقف بجانبه أو نقاتل تحت رايته!

وبمجرد أن يتلفظ أحد المسؤولين العرب بكلمة أو يتخذ موقفاً ما نلبث إلا أن نجد زمرة المطبلين والمهللين والمؤيدين لهذا الموقف حتى وإن كان رأياً يتبنى موقف الأعداء، وهذا ما رأيناه في فتاوى بعض العلماء في المملكة تدعو إلى عدم جواز دعم حزب الله أو حتى الدعاء له بالنصر وبلغ هذا العداء مداه لدرجة أن أحد هؤلاء "العلماء" قالها صراحة أنه يتمنى هزيمة حزب الله في حربه ضد اليهود!

ولكن كعادته دائماً –بارك الله فيه وأدام لنا في عمره- جاءنا الموقف الحازم من فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي ليقشع الغمة ويزيح الغمة ويُطمئن من كان لديه أدنى شك في جواز دعم حزب الله، فقال أنه يتوجب على جميع المسلمين دعم حزب الله الذي يدافع عن أرضه وعرضه.

هذا الموقف المُخزي للملكة العربية السعودية تبنته مصر والأردن ولكل أسبابه الخاصة، ففي حين غلفت هذا الموقف السعودي خلفية طائفية مقيتة؛ فإن موقف مصر أراه حلقة لا تنفصل عن مسلسل مهين من الانبطاح والزحف تحت أقدام الهيمنة الأمريكية والتقرب إليها عبر بوابة تل أبيب لعله ينول المُراد ويكمل الزفة دون غضب الآلهة في البيت الأبيض، أما موقف الأردن ففي رأيي لم يثر أية علامة استفهام حيث أن سجلها "مشرّف" في مثل تلك المواقف.

اتفقت الحكومات الثلاث على وصف حزب الله بالمغامر ورد عليهم الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بأنه مغامرات الحزب تجلب العزة والكرامة والشرف لأمته، وأضم صوتي لصوته راجياً منهم أن "ينقطونا بسكاتهم" فالسكوت من ذهب في مثل هذه المواقف، فليتهم صمتوا بدلاً عن هذا التواطؤ المعلن وهذه الرجعية وهذه الاندفاع غير العقلاني إلى أحضان الغطرسة الأمريكية والصهيونية.

أعتقد أنه من السخف ونحن نرى لبنان تحترق أن نلوم المعتدي عليه وأن نوجه سياط اللوم إلى من جعلونا نشعر أننا ما نزال أحياء وما نزال نملك من بقية كرامة أهدرت على مدار السنين بفعل مواقف حكام أرانا الله فيه يوماً يكونون فيه عبرة لمن يعتبر.فليس من المقبول أبداً في مثل هذه الظروف أن يتحدث أحد عن سنة وشيعة ونحن في مواجهة عدو مشترك لن يرحم أحداً، فاليوم لبنان وبالأمس العراق والبقية تأتي، ليقولوا أكلنا يوم أكل الثور الأبيض.

نصر الله -نصره الله- أعاد لنا الأمل في كسر شوكة هذا الجبروت والتعنت الصهيوني، ورأينا ولأول مرة إسرائيل تُضرب في العمق، ويكفي أن ثلث سكان إسرائيل يبيتون مثل الديدان تحت الأرض في الملاجيء فلم نعد نحن فقط من تبكي نساؤنا ويصرح أطفالنا وتهدم بيوتنا فهناك على الجانب الآخر في قلب إسرائيل من يشاركنا هذه المآسي لكي يذوقوا ما تعودنا عليه منذ عقود.
وأختم من قول ربنا "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم "
آل عمران آية 105

Monday, July 03, 2006

ازدواجية عربية على الهواء

نصرخ ونشكو نحن العرب ليل نهار من ازدواجية الغير في التعامل مع قضايانا ونتهم – عن حق- أمريكا والغرب بالكيل بمكيالين إزاء القضايا العربية العادلة، ولكننا لو دققنا النظر قليلاً في أنفسنا لوجدنا أننا نحن العرب أيضاً نمارس هذه الازدواجية باحتراف، حيث نتعامل بنظرة مزدوجة مع الكثير من الأمور.

لعل من أخطر مساويء الشخصية العربية هي انطوائها على نظرة وتوجه مزدوج في التعامل مع الموضوع الواحد، ويتجلى ذلك واضحاً على المستوى الفردي عندما تباغت الفتاة "حبيبها" العربي بقولها: هل ترضى أن تكون أختك في مكاني هذا في هذه العلاقة معك دون زواج؟ فما يلبث أن يتلعثم صاحبنا ويغرق في "شبر" من الماء الثقيل، ويهذي بكلمات غير مفهومة ولا ينقذه من هذه الموقف الصعب إلا عندما تعمد رفيقته إلى تغيير موضوع الحديث بعد أن أيقنت وعلمت الرد على سؤالها.

فالإنسان العربي-إلا من رحم ربي- يرضى لنفسه أن يصاحب ويرافق ويتواعد مع من يشاء من فتيات وبنات الآخرين ولكنه في الوقت نفسه لا يرضى أن يحدث نفس الشيء مع أخته أو ابنته مثلاً، وهذا ازدواجية تنطوي على أنانية وفرعونية متغطرسة لا ترى إلا نفسها في مجتمع ذكوري يمجّد أفعال الرجال مهما انطوت على نواقص ومساويء وعيوب، وإذا جادله أحد أو بالأحرى إذا حاولت إحداهن أخته أو إبنته أو حتى زوجته في هذه الازدواجية القميئة فتجده يقول بلا خجل ولا وجل "أنا رجل أفعل ما أريد أما أنت فأنثى والمحظورات بالنسبة لك يجب أن تجتنب أما أنا فمحصّن ضد كل هذا "، وكأنه لا يرى -لضيق أفقه وعمى بصيرته- أن الرجولة ما هي إلا طبيعية فسيولوجية لا دخل له فيها، فهو لم يجتهد للوصول إلى هذه الصفة الفسيولوجية ،ولكن الله خلقه هكذا، فهي ليست ميزة مكتسبة بالنسبة له كما أن كون المرأة أنثى ليس عيباً فالكل سواء، لكنه وبحماقته المعهودة دائماً لم يعي ويفهم ويدرك أن الرجولة سلوك قبل أي شيء آخر.

هذا نموذج بسيط على المستوى الفردي في الشخصية العربية، أما على المستوى الجماعي المتمثل في سياسات الدول نجدها لا تختلف كثيراً في ازدواجية المعايير عن أسلوب ذلك العربي العاشق، ففي فترة من الفترات كانت تسعى دولة عربية نفطية كبرى إلى دعم الجهاد في أقاصي الأرض عبر تصدير المجاهدين وإغداق الأموال على تلك الغاية المثلى، حيث كانت ترى أن الجهاد ضد المعتدي الغازي في تلك الدولة المسلمة البعيدة فرض عليها الوفاء به، في حين تتجلي الازدواجية في أسخف صورها إذا علمنا أن هناك أرض عربية محتلة في فلسطين التي هي على مرمى حجر من تلك الدولة التي تدعم المجاهدين في أقاصي الأرض فهل الجهاد هناك فرض وهنا لا يجوز؟!

وتتضح تلك الازدواجية القميئة أكثر بعد مرور ما يزيد عن عشرين عاماً عندما تم احتلال دولة عربية إسلامية أخرى مجاورة لها وفي هذه المرة لم تكتف بالصمت ولم تدعم المجاهدين للدفاع عن أرضهم بل ساعدت المحتل المغتصب، فهل الجهاد ومساعدة المجاهدين في أقاصي الأرض منذ عشرين عاماً كان حلالاً والآن صار رجس من عمل الشيطان؟!

في مايو 2005 ثار المسلمون وهاجوا -ومعهم كل الحق- في مظاهرات غاضبة احتجاجا على تدنيس المصحف الشريف في معتقل جوانتنامو واستنكر الجميع ذلك العمل الشنيع، ولكن عندما قام بنفس الفعل مؤخراً مدير أحد السجون في دولة عربية إفريقية لم يتحرك أحد ولم يحتج أحد على هذا الفعل في هذه الدولة "الدلوعة" المسكوت عنها، فهي دلوعة العرب والغرب على حد سواء، وصمت الجميع صمت القبور، ولكن إن حدث هذا في الغرب أو في أي دولة من المغضوب عليهم لثارت ثائرة الثائرين ونادوا الموت لهم ثم الموت!
وفي مايو الماضي أفادت الأنباء بأن المسؤولين في هذا الدولة"الدلوعة" المسكوت عنها إبتدعوا وسيلة مبتكرة للتضييق على الملتزمين بأهم فروض دينهم، ولم يحظى هذا الخبر الهام جداً على أي أهمية تذكر في إعلام بلاد العرب.

بعد أن ثبت مما أوردناه من أمثلة أننا نحن العرب نمارس ازدواجية المعايير على أوسع نطاق؛ فلماذا كل هذه الشكوى من ممارسة أمريكا والغرب سياسة الكيل بمكيالين تجاه قضايانا ؟ ألسنا نشاركهم نفس الازدواجية بامتياز؟!
Picture from:www.balagh.com

Tuesday, June 27, 2006

فقه الدفاع عن ثقافة الحذاء

عندما يتوارى القانون وينزوي جانباً تحل محله ثقافة القوة وشعار أخذ الحق "بالذراع" وفي الحال إذا لزم الأمر، وهو ما يعود بنا إلى عصر الظلمات، وهذا ما نجده واقعاً في مصر هذه الأيام، فالكثيرون يحصلون على أحكام قضائية لا يتم تنفيذها، خذ على سبيل المثال جريدة الشعب
وحزب العمل حصلا على أكثر من أربعة عشر حكماً - في عين العدو - ولم ينفّذ حكماً واحدا !

هذا التجاهل المتعمد وعدم الاكتراث بأحكام القانون والالتزام بها من قِبل الدولة التي يجب أن تكون القدوة في تنفيذ القانون؛ نتج عنه بروز ثقافة أخرى بديلة وهي "ثقافة الحذاء".

اللجوء إلى الحذاء أو "الجزمة" في حسم الخلافات هي وسيلة ليست جديدة في أوساط العامة في قيعان المجتمعات بين الغوغاء الذين لا عتب لنا عليهم، وفيه تستخدم تلك الأداة للإيذاء المعنوي والنفسي قبل الإيلام البدني، ولكن في الفترة الأخيرة ظهرت هذه السنّة السيئة في أوساط الصفوة التي من المفترض أنها "كريمة" المجتمع المصري.

بدأها المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الذي قال " في حال وصول الإخوان إلى السلطة وحصولهم على الرئاسة، فإن جزاء من يعارضهم هو الضرب بالجزمة!! هكذا نشرت كل من جريدة الخميس والمصور وروزاليوسف وذلك في حوار أجراه معه الطالب طارق مصطفى في السنة الرابعة بكلية الإعلام والحوار جزء من مشروع تخرجه.

وفي 24/4/2006 وأثناء اعتصام القضاة بناديهم وسط القاهرة قام أحد رجال الشرطة بالتعدي بالحذاء على المستشار محمود عبد اللطيف حمزة رئيس محكمة شمال القاهرة أثناء محاولته تصوير اعتداء رجال الشرطة على المتظاهرين المتضامنين مع القضاة، ويتبين من هذه الواقعة أن استخدام هذه الوسيلة لم يعد حكراً على الأفراد العاديين فيما بينهم، لأن السلطة التنفيذية ممثلة في رجل الشرطة تلجأ إليها أيضاً، وهو ما يؤكد جاذبية هذه الوسيلة ونجاعتها !!

وفي مبنى البرلمان المصري حيث يجتمع ممثلي الشعب وفي جلسة 30 مايو 2006 همّ النائب طلعت السادات بضرب أحمد عز أمين التنظيم بالحزب الوطني الحاكم بالحذاء عندما رد الأخير عليه باستخفاف وهو يسأله عن ثروته التي تقدر بأربعين مليار جنيه فقط لا غير !!

وبما أن الشيء بالشيء يُذكر أقول إنه عندما شاهدت النائب طلعت السادات على قناة دريم يصرح أنه وبالمستندات يستطيع إثبات أن أحمد عز كوّن هذه الثروة الطائلة (40 مليار جنيه) في أربعة سنوات فقط؛ تحسّرت على نفسي واتهمتها بالفشل الذريع، لأنني أعمل منذ أن تخرجت من الجامعة يعني تقريباً ضعف عدد السنوات التي أنجز فيها هذا الشاب المعجزة هذا المبلغ الكبير، ورغم كل هذه السنوات من العمل إلا أنني لم أتمكن حتى من تدبير قيمة منزل متواضع في أحد أقاليم الصعيد البائسة علاوة على أنني لا أعرف كم صفراً على يمين هذا الرقم المهول!!

نعود إلى موضوعنا "ثقافة الجزمة" ومثال آخر حدث مؤخراً في نهائي كأس مصر لكرة القدم 16/6/2006 في مقصورة إستاد القاهرة وبطل القصة هذه المرة هو رئيس محكمة سابق ورئيس ثاني أكبر الأندية الرياضية في مصر، نادي الزمالك، المستشار مرتضى منصور الذي خلع الحذاء وهدد به أمين صندوق نادي الأهلي في الشوط الأول من المباراة التي انتهت بفوز الأهلي ثلاثة صفر بس !!

أعتقد أن الغالبية الساحقة من بني البشر تستهجن وتستنكر ولا تقبل أبداً هذا السلوك غير الحضاري وغير الأخلاقي بالمرة، ولهذا كان غريباً ومُلفتاً أن نجد من بيننا من يدافع عن هذا السلوك الوضيع، هل يتصور أحد أن هناك من يدافع عن شخص استخدم حذاءه أو "جزمته" في حسم الخلاف أو الحوار مع الآخرين ؟ نعم حدث عندما قرأت في الراية القطرية مقالاً للأستاذ سالم المراغي(22 /6/2006) يقول فيه " ...كان طبيعياً أن ترتفع الأحذية يوم الجمعة الماضي في المقصورة الرئيسية" ثم وجدته يبرر لرئيس نادي الزمالك فعلته غير الأخلاقية فيقول " ثار مرتضي منصور وعنده كل الحق" ! علامة التعجب من عندي لأني لا أدري أي حق هذا الذي يسمح له أن يرفع الحذاء في وجه زميله ممثل النادي المنافس وفي حضور مندوب رئيس الجمهورية ؟!!