Tuesday, February 21, 2006

(2) العمـل هو الحـل

الغريب في الأمر حقاً هو أن الدنمارك لا تعترف بالإسلام كدين! نعم هي تعترف فقط بالمسيحية واليهودية والسيخ (تقرير سمير عواد- الراية القطرية 3 فبراير الجاري)،كما أن الدنمارك لا يوجد بها مسجد بالمعنى المعروف، فقد نُشر في صحيفة "كوبنهاجن بوست" الدنماركية في الأول من فبراير الحالي تحت عنوان "المسلمون يستحقون مسجداً" تعليقاً لـ"هيربرت بوندك" وهو محرر سابق في صحيفة دنماركية يومية يقول فيه "إن بناء مسجد في كوبنهاجن قد يخفف التوتر بين الدنمارك والعالم الإسلامي"، وأضاف"إن بناء مسجد دائم للمسلمين الذين يبلغ عددهم 200 ألف يقيمون شعائرهم الدينية في 50 مسجد مؤقت منتشرة في أرجاء مملكة الدنمارك؛(مراسل الجزيرة قال إن أحدها كان مصنعاً للحليب) سيعتبر بمثابة غصن زيتون للمسلمين الغاضبين من نشر الرسومات المسيئة لنبيهم"، ولكن الأغرب أن نجد أن أهم دولة إسلامية وهي المملكة العربية السعودية تأتي على رأس المستوردين لمنتجات الدنمارك حيث بلغت واردات السعودية من الدنمارك ثلاثمائة وسبعون مليون دولار في عام 2004 (حمدي قنديل – الجمعة 10 فبراير الجاري) أليس هذا أمراً غريباً ؟

في مهرجان خطابي بمسجد عمر بن الخطاب بالدوحة (الجمعة 3 فبراير الجاري) لم يستطع أي من المشاركين في إلقاء كلماتهم لمدة ثلاث دقائق متواصلة بسبب الشعارات التي كانت تدوّي في أرجاء المسجد، قلت في نفسي يبدو أننا حكاماً ومحكومين لا نملك إلا الشعارات الحماسية التي لا طائل منها، وأنا أتابع باهتمام تلك الشعارات سألت نفسي يا ترى لو لم يكن هناك دولة اسمها إسرائيل أو لم يكن هناك يهوداً على وجه الأرض تُرى على أي شماعة كنا سنعلق إخفاقاتنا المتواصلة وفشلنا الذريع ؟ لو تلاحظون أن كل فشل يلحق بنا وكل إخفاق وهزيمة في أي مجال نُلحقه أو نعلّقه مباشرة دون تفكير في شماعة إسرائيل واليهود ..فإذا كانت إسرائيل تدبر لك وتخطط فأين أنت وأين دورك أليست هذه هي السلبية بعينها ؟ هل يُعقل أن أسلّم نفسي وأكشف أوراقي ثم ألقي اللوم على عدوي هذا وأقول إنه يتربص بي؟ ..إسرائيل هذه عدو ونحن نعلم ذلك جيداً لكن ماذا أعددنا لها وهل احتطنا من كيدها؟ هذا هو السؤال، لكن الآن اتسعت الدائرة فليست إسرائيل وحدها فالعالم كله يستهين بالمسلمين وكأنهم "الحيطة المايلة" في هذا العالم، لكن لماذا؟

سألت نفسي هذا السؤال الذي لا يحتاج إلى إجابة وأنا أطالع صحيفة «الجارديان» البريطانية (الاثنين 6 فبراير الجاري)،فقد كشفت "الجارديان" أن صحيفة «يلاندس بوستن» الدنماركية التي نشرت الرسوم المسيئة للرسول بحجة ممارسة حرية الراي والتعبير كانت رفضت قبل ثلاثة أعوام نشر رسم كاريكاتيري عن السيد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام ، مع رفضنا كمسلمين الإساءة للأنبياء كافة لقول ربنا "لا نفرق بين أحد من رسله" البقرة 285، وأوضحت «الجارديان» أن «يلاندس بوستن» رفضت في إبريل 2003 رسومات من الرسام الدنماركي كريستوفر زيلر تتناول شخص السيد المسيح، بقولها: «لا نعتقد أن قراءنا سوف يستسيغون هذه الرسومات»، فيما نقل عن زيلر أنه يعتقد أن "يلاندس بوستن" قدرت أن مشاعر قرائها المسيحيين أرهف من مشاعر القراء المسلمين، أضف إلى ذلك ما نشرته الصحيفة الدنماركية "يولاندس بوستن" ( 8 فبراير الجاري ) على لسان رئيس تحريرها أنها لن تنشر الرسومات التي تنشر في إيران والتي تتناول المحرقة النازية.

أعتقد أن الإجابة على تساؤل "لماذا؟" قد اتضحت الآن، وهو باختصار لأننا ضعفاء، فمعظم الدول الإسلامية من الدول النامية أو ما يسمونه العالم الثالث..لكننا نمتلك وسائل القوة وفي نفس الوقت متكاسلين، إذن هذه دعوة للعمل كلٌ في مجاله، أن يجتهد جميعنا بهذه النية، نية نصرة الإسلام في موقعه: في شركته، في مصنعه،في مقر عمله، دعوة إلى الدارسين إلى الاجتهاد في دراستهم لكي يتحقق أمل الأمة المنشود في التقدم والرقي، دعوة إلى تربية النشيء على مباديء ديننا الحنيف، دعوة إلى الإهتمام بالعلم والعلماء في مختلف المجالات، دعوة إلى القراءة، نعم هل يعقل أن تكون أمة إقرأ لا تقرأ؟ فأول كلمة نزلت من القرآن الكريم دستور الأمة هي إقرأ في سورة اسمها يحمل نفس الكلمة، دعوة لنبذ الخلاف بيننا، الخلاف الذي أنهك قوانا وفرقها في المهاترات الجانبية الإعلامية التافهة والتفرغ للرد على هؤلاء الذي يتهجمون على عقائدنا، دعوة للالتزام بالأخلاق الإسلامية القويمة، دعوة إلى التصدي للفساد بكل أشكاله، الفساد الذي هو سبب تأخرنا عن اللحاق بركب الأمم، الفساد الذي "أغرقنا" في التخلف وأزهق أرواح الآلاف منا، دعوة لإحداث ثورة في طريقة حياتنا القائمة على التلقي السلبي من الغرب، دعوة إلى تبني منهج وأسلوب حياة إسلامي يعبر عن طموحات شعوبنا..نحن لا نعوّل كثيراً على حكوماتنا المتخاذلة كما وصفها دكتور يوسف القرضاوي (الجمعة 3 فبراير) ولكن التعويل كله على الجماهير العربية والإسلامية ولندع الحكام وهمومهم الكثيرة فما يشغلهم يرونه أهم من شعوبهم، فلنبدأ نحن في العمل على إيقاظ هذه الأمة من غفوتها التي طالت

Wednesday, February 15, 2006

(1) العمل هو الحل

بعون الله أستطيع أن ألقي عليكم خطبة حماسية تؤجج مشاعركم وتشعل حميتكم وتلهب حماسكم، لكني علي يقين أن هذه العاطفة الجياشة المتوقعة ما تلبث أن تنطفيء جذوتها بمجرد أن تُقلب الصفحة المنشور فيها هذا الكلام، ولهذا أدعو إلي وقفة مع النفس في هذه الظروف العصيبة وأن نبتعد قليلاً عن الكلام الحماسي الذي لا يقدم ولا يؤخر، لقد سالت من الحبر أنهاراً واستهلك من الورق أطناناً في الحديث عن هذا الموضوع الذي أثار حفيظتنا نحن المسلمين في أعز رمز إلينا وهو نبي الرحمة، لكن دعونا نتساءل هل الشجب والاستنكار والإدانة والمسيرات الغاضبة علي ما حدث هو الرد المناسب لقد كنا في الماضي الذي ولي نتندر علي حكامنا بأنهم لا يملكون إلا الشجب والإدانة والاستنكار، ثم أصبحنا الآن نترحم علي هذه الأيام الخوالي، فولاة الأمر منا بقدرة قادر تم فطامهم عن هذه الكلمات فلم يعودوا يشجبون ولا ينددون ولا يستنكرون أي عمل يسيء إلي العرب والمسلمين بل أصبحوا يتحسسون رضا سيد البيت الأبيض الأمريكي ويحتاطون بشدة في أي كلمة قد تخدش إسرائيل وهنا أخشي أن نكون قد جاء دورنا كشعوب للعب نفس الدور: الشجب والإدانة والاستنكار.

المسيرات السلمية هي وسيلة جيدة ومؤثرة للتعبير عن الرأي ويتم عبرها إيصال رسالة إلي الآخر بأسلوب حضاري لكن أن يتطور الأمر إلي مهاجمة السفارات والقنصليات ودور العبادة فهذا هو التخلف بعينه، فلو فكر هؤلاء الذين يدعون الغضب لأجل نبيهم لحظة واحدة وعلموا أن الصور المسيئة للرسول تصوره كذباً وزيفاً بالإرهاب والتطرف، ثم يتصرفون هم بهذه الطريقة الهمجية لأيقنوا أن الذين أساءوا للنبي سوف تترسخ عندهم تلك الصورة المزيفة عن الإسلام ونبيه نتيجة لتصرفاتهم الخرقاء، فهؤلاء يعتقدون أنهم ينتصرون للإسلام ونبيه ولكنهم في الحقيقة يسيئون إليه من حيث لا يدرون، ونتساءل هل هذه هي الطريقة المثلي للدفاع عن الإسلام؟!

هذا الانفعال الوقتي الذي ينتج عنه أخطاء لا حصر لها تجسد في رسالة قصيرة وصلتني علي هاتفي الجوال- وأعتقد أنها وصلت للكثيرين منكم- تتحدث الرسالة التي كتبها مسلم منفعل لم يفكر ولم يتأكد من الخبر موضوع الرسالة ولكن الأهم بالنسبة لي أنه بانفعاله هذا وتسرعه لم يتأكد من صحة الآية التي أوردها في رسالته سورة الحجر آية 9 إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، فقد ورد فيها أربعة أخطاء في آية واحدة وندعي أننا ندافع عن الإسلام ونحن لا نعرف كيف نحترم كلام الله.

مقاطعة بضائع تلك الدول هو سلاح فعال ومؤثر لأنها دول قائمة علي المادة وأكثر ما يلهب ظهرها هو سياط الخسارة الاقتصادية، ومع تسابق صحف أوروبية عدة في نشر الرسوم بدأ يطفو علي السطح تساؤل غريب طرحه العديد من الكتاب من بينهم الأستاذة بشري ناصر (الراية 2 فبراير الجاري) عندما تساءلت هل نقاطع كل هذه الدول نقول نعم نقاطعها جميعاً فحفظاً لكرامتنا التي أهينت حتي لو اضطررنا إلي مقاطعة العالم كله، ولكن هذا الأمر يحتاج إلي الاستمرار ولا ينبغي أبداً أن يفتر مثلما حدث من قبل مع حملة مقاطعة البضائع الأمريكية والبريطانية والتي تلاشت مع مرور الوقت، ولكن أيضاً ينبغي تطوير فكرة المقاطعة لتصل إلي دعم المنتجات الإسلامية والعربية وهذه هي الخطوة العملية الأولي.

Sunday, February 05, 2006

إنتخابات فلسطين صفعة للنفاق الغربي
وللديمقراطيات العربية المزيفة

قفزت من مكاني فرحاً عندما تم الإعلان في مساء الأربعاء(25 يناير الماضي) عن إغلاق صناديق الإقتراع في الانتخابات التشريعية الفلسطينية دون حدوث أية تجاوزات وفي جو من الهدوء والنظام والنزاهة وتحت رقابة محلية ودولية‏,‏ وبدون تزوير أو بلطجة أو تدخل أمني‏،وقد أعتبر هذا الانضباط أهم ما ميّز العملية الإنتخابية في إنجاز غير مسبوق في بلاد العرب وهو الأمر الذي عبر عنه نائب مدير المخابرات الفلسطينية بالضفة الغربية على شاشة "الجزيرة" أن يوم الانتخاب قد مرّ دون أن "يُضرب كفّ واحد" في إشارة إلى خلو العملية الانتخابية من أية شوائب أو أحداث عنف قد تعكر صفو عملية الانتخاب، فقد أثبت الشعب الفلسطيني "المحتل" أنه جدير بإحترام العالم أجمع على إنضباطه وتحمله مسؤولية الخروج بهذه العملية الديمقراطية إلى بر الأمان دون أية أحداث قد يستغلها أعداءهم وأعداؤنا في التشهير بأننا العرب لا نستحق ولا ندرك معنى ومغزي الديمقراطية.

أثبت محمود عباس "أبو مازن" أنه بالفعل رئيساً لكل الفلسطينيين وهو جدير بذلك فلم يحاول أبداً إقصاء المنافسين له مثلما يفعل الكثير من الرؤساء والزعماء العرب بل على العكس فقد حاول بشتى الطرق إقناع حماس وإحتوائها وتشجيعها على المشاركة في العملية السياسية رغم علمه أنها ستكون منافساً قوياً لحركة فتح التي ينتمي إليها، عباس يفعل ذلك لأنه رئيس منتخب بطريقة ديمقراطية وربما يكون الوحيد بين الزعماء العرب الذي يحظى بهذه الميزة لذلك فهو يحترم إرادة هذا الشعب الذي إختاره وولاه هذه المسؤولية، وبما أن هذا الشعب يرفض إقصاء حماس عن الساحة فقد سعى الرئيس الديمقراطي إلى تشجيع حماس وغيرها على المشاركة السياسية ووفر كل الدعم لنجاح هذه المسيرة الديمقراطية المشرفة فهو بالفعل "عرس ديمقراطي بإمتياز" كما أطلقت عليه جريدة الراية في تغطيتها للإنتخابات، فكل الشكر لهذا الرئيس الديمقراطي الذي يستحق منا كل التقدير والاحترام لكونه اللاعب الأول وراء هذا النجاح المبهر.

جاء فوز حماس بمثابة صفعة قوية للغرب الذي يكيل بخمسمائة مكيال تجاه قضايانا العربية وينحاز دائماً إلى جانب إسرائيل وهو الآن في ورطة حقيقة، فالولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي يعتبران حماس منظمة إرهابية والشعب الفلسطيني إختار حماس وعليهم أن يضموا الآن الشعب الفلسطيني الذي إختار حماس إلى القائمة أيضاً، هذا الغرب النفعي لا يسعى إلا وراء مصالحه وهذه المصالح تتطلب التحالف مع الشيطان إسرائيل ومن هنا يجب علينا إدراك ذلك جيداً ، فهذا الغرب المتحضر الذي صدّع رؤسنا بضرورة دعم الديمقراطية في العالم العربي هو الآن يناقض نفسه وهو أمام الفوز الكاسح لحماس فبدلاً من إحترام إرادة الشعب الذي إختار تجدهم يهددون بقطع المعونات عن السلطة الفلسطينية، فلابد أن نكون حاسمين إزاء هذا التهديد وليذهبوا إلى الجحيم بمعوناتهم فهذه هي البداية لإستقلال القرار ولكن الغرب يتخبط كما أن هذه المساعدات هي حق للشعب الفلسطيني على الغرب الذي تسبب في وجود هذا النبت الشيطاني المسمى "إسرائيل" على حساب الشعب الفلسطيني.

في متابعتي لتغطية بعض وكالات الأنباء الغربية لنبأ فوز حماس استفزني ذلك الخوف غير المبرر من فوز حماس وهذا الخوف عبرت عنه عناوين عدة أحدها لوكالة رويترز للأنباء (الخميس 26 يناير الماضي) Hamas wins upset victory " حماس تحرز فوزاً مقلقاً"، إضافة إلى كثرة العزف على نغمة "عملية السلام" ومشاعر "عملية السلام" والعواطف الجيّاشة لعملية السلام، لدرجة أنني شعرت بالملل من قراءة وسماع هذه الكلمة "Peace Process "عملية السلام" والتي هي غير موجودة أصلاً على أرض الواقع منذ سنوات ،وبينما كنت أتأهب للرد على هذا التزييف والخداع المنظم تطوّع "توني كارون" الكاتب بمجلة "تايم" البريطانية (الجمعة 27 يناير الماضي) للرد نيابة عني وعن كل إنسان ارتفع ضغطه من هذا "الإستغباء" المتعمد من تلك الوكالات الموجهة فيقول الكاتب في مقاله " هؤلاء الذين يتخوفون من الفوز الساحق الذي حققته حماس وتأثيره المباشر على "عملية السلام" يغيب عنهم أنه لا توجد حالياً عملية سلام بين إسرائيل والفلسطينيين كما أنها لم تكن كذلك موجودة طوال الخمس سنوات الماضية، فإسرائيل تقول إنها لن تتفاوض مع "منظمة إرهابية مسلحة" تدعو إلى تدمير إسرائيل لكنها في الحقيقة لم تتفاوض أيضاً مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس قبل انتخابات الأربعاء الماضي، فلم تُعقد أية مفاوضات سياسية حقيقة بين الجانبين منذ يناير 2001 قبل وقت قليل من انتخاب شارون رئيساً للوزراء والذي وعد بالقضاء على اتفاقية أوسلو للسلام.. إن فوز حماس ما هو إلا أحد مؤشرات فشل عملية السلام.."

إكتمال العرس الديمقراطي الفلسطيني بنجاح مبهر ودون أي خروقات جعلني أشعر بالإعجاب أمام هذا الإنجاز الذي حققه الفلسطينيون الذين أثبتوا أنهم شعب متحضر حقاً، فقد تابعنا مناظرات قبل الإنتخابات ثم عملية إنتخابية نزيهة وشاهدنا فرز الأصوات على الهواء مباشرة وفي نفس الوقت لم تكن هناك أية شكوى بخصوص نزاهة العملية الانتخابية، يحدث كل هذا في بلد ما يزال تحت الاحتلال بينما في بلدان عربية أخرى تنادي ليل نهار بالديمقراطية وتدعي أنها تتبنى "فكر جديد" نشاهد الغزوات الإنتخابية بالأسلحة البيضاء وغيرها وتزوير فاضح ومئات الطعون في النتائج، وهذا هو الفرق بين الكلام والفعل فالكلام ليس عليه ضرائب فقد تجد من يُدمن الدندنة بكلمات من عينة "نزيهة" وأختها "شفافية" لكن الواقع على الأرض يُكذّب ذلك التزييف الفاضح للأمور عبر تعبير براق ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، وأتفق مع الكاتب المصري سلامة أحمد سلامة في قوله " "وحق للفلسطينيين أن يضربوا بذلك المثل لشعوب عربية ــ مثلنا ــ عجزت عن ممارسة حقها في انتخابات نزيهة‏.‏" (الأهرام 29 يناير الماضي)،ونتساءل:هل رأى القوم وتابعوا ذلك النموذج الفلسطيني الرائع أم ينطبق عليهم قول ربنا"...
لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ" الأعراف 179



Tuesday, January 31, 2006

إرتفاع الإيجارات وفن استغلال المساحات

أعلم جيداً أن القهر الذي يتعرض له أمثالي من الذين فاتهم قطار الزواج لا يكاد يُذكر أمام معاناة السادة الذي ساقهم حظهم أن يكونوا من بين المتزوجين في الأرض، ففي كل مرة يُصدر المسؤول عن العقار الذي أسكن فيه فرماناً جديداً آخر بزيادة الإيجار أتذكر الإخوة المتزوجين وأدعو لهم بالستر والصبر، وأتصور مدى معاناتهم وتألمهم وهم بين خيارين أحلاهما مر، أولهما العودة إلى مسقط الرأس وهذا معناه إنقطاع سبب من أهم أسباب الرزق بالنسبة لهم ومن الممكن أن يكون الوحيد ثم مواجهة المجهول وندرة فرص العمل في بلدانهم الأصلية، وبين خيار آخر أكثر مرارة وهو إرسال الأسرة إلى البلد الأصلي على أن يبقى العائل هنا ويتحول إلى أب في شكل "حوالة" لا تربطه بأسرته وأولاده إلا ذلك "الشيك" الذي يرسله أول كل شهر، ويبقى هنا وحيداً ويصبح وكأنه لم يتزوج ويحصل على صفة "متزوج أعزب"، علاوة على تشتيت شمل الأسرة وتمزيق أواصرها خاصة إذا كان من بين أبنائه من هم في مراحل عمرية حرجة يتوجب على الأب التواجد معهم لكي يحسن من توجيههم وتربيتهم حيث من المعلوم أن حزم الأب مطلوب في أمور كثيرة.

مهما قلت فلن أجسد المشكلة أفضل مما تحدث عنها الكثير من الزملاء على صفحات الجرائد وقد قرأت كثيراً كتابات تتناول هذه المشكلة وأبعادها ولكنني أستغرب في هذه الايام ذلك الصمت الرهيب من كل هذه الأقلام، هل أصابهم اليأس بعد أن إستغاثوا ولم يجدوا صدى لنداءاتهم الكثيرة، لكن رغم كثرة ما كُتب في هذا الموضوع إلا أنني لم اصادف من تحدث عن أمر أو ظاهرة غريبة مرتبطة بنفس المشكلة وهي ما أسميه "فن استغلال المساحات"، وهي تفنن القائم على العقار في إستغلال كل مساحة ممكنة في البيت أو الفيلا أو البناية ولو على حساب التضييق على سكان العقار وعلى سلامة البناية وذلك من أجل إستغلال تلك المساحات في بناء غرف أخرى يقوم بتأجيرها ليضمن تدفق مصدر ثابت إلى جيب سعادته، ومن أجل ذلك يقوم بإستغلال كل مساحة هي أصلاً في تصميم المكان لزوم للتهوية أو خلافه حتى يبني غرفة أو إثنتين ليضمن إيجاراً شهرياً يتدفق في جيبه الذي ينادي دائماً: هل من مزيد؟

العقار الذي أسكن فيه إستأجره شخص آخر من المالك وهذا المستأجر وهو مقيم من دولة غير عربية يقوم بدوره بتأجير المكان لآخرين، ولكنه للأسف يستغل ظروف إرتفاع الإيجارات ويزيد الإيجار بجشع لا يوصف، وأعتقد أنه يتصرف دون علم مالك العقار، فقد إستأجرت المكان الذي أسكن فيه في يونيو الماضي وبعد شهر فقط قام بإصدار الفرمان الأول برفع الإيجار بنسبة 66 في المائة، وبالطبع وافقت ووافق غيري على هذه الزيادة لأنه ببساطة ليس لدينا من خيار آخر فنحن مغلوب على أمرنا، فالانتقال من مكان إلى آخر ليس بالأمر الهين كما أنه يؤثر على الأداء في العمل، والمثل يقول "المضطر يركب الصعب" وهذا هو الصعب الذي يتحدث عنه المثل ثم عاد الحاكم بأمره مستأجر العقار بعد خمسة أشهر وأصدر فرماناً جديداً برفع الإيجار مرة أخرى بنسبة 70 في المائة يعني في ستة أشهر إرتفع الإيجار بنسبة 183 في المائة، بالذمة ده كلام ؟ وفي أي عُرف هذا وفي إطار أي قانون يحدث هذا الإستغلال؟ هل يُترك المستأجرون الغلابة من أصحاب الدخول الضعيفة هكذا يواجهون جشع وطمع أمثال هؤلاء الذي لا يقنعون؟


صاحبنا الحاكم بأمره مستأجر العقاء فاجأنا في أجازة العيد بكميات من الرمل والإسمنت ومواد البناء الأخرى في مدخل العقار وشرع في بناء مزيد من الغرف لكي يستغل مساحات بالعقار مخصصة أصلاً للتهوية وضمن تصميم المكان، فضلاً عن أن علميات البناء الإضافية التي يقوم بها سوف تؤثر بكل تأكيد على سلامة العقار وتعرض حياة الكثيرين للخطر، وكل ذلك من أجل أن يضمن دخلاً شهرياً يُضاف إلى ما "يلهفه" أول كل شهر.

الأنكى من ذلك إنه قد إستأجر هذا العقار أصلاً لموظفين في شركته وبشطارته وفهلوته (من الفهلوة) يقوم بتجميع قيمة الإيجار الذي يسدده للمالك وأكثر علاوة على أنه لا يدفع شيئاً مقابل إقامة موظفيه في العقار بمعنى أنه يستغل العقار تجارياً، فهو من ناحية يوفر ما كان سيدفعه مقابل سكن موظفيه إذا استأجر لهم سكن في مكان آخر ومن ناحية أخرى يستحوذ على مبلغ إضافي من المال يجمعه من رفع قيمة الإيجار على الغلابة الذين ساقهم حظهم العاثر أن يسأجروا منه، ألم أقل لكم إنها "فهلوة" وشطارة من أخينا المقيم ؟

Sunday, January 15, 2006

مَرَضْ شارون وأماني العاجزين

تابعت تداعيات مَرَضْ رئيس الوزراء الإسرائيلي "شارون" بطل مذبحة صبرا وشاتيلا وغيرها من المذابح الكثيرة بحق العرب والمسلمين والذي أشرف بنفسه على إغتيال الشهيد أحمد يس مؤسس حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في مارس 2004 ، فقد أقام خبر مَرَضْ شارون الدنيا ولم يقعدها حتى أنه تصدّر وسائل الإعلام العربية وإستحوذ على إهتمامها وتحليلاتها رغم وفاة أكثر منن سبعين حاجاً في إنهيار فندق بمكة المكرمة ومقتل عشرات العراقيين في تفجيرات إنتحارية في مدن عراقية مختلفة في نفس اليوم الذي ورد فيه نبأ مرض شارون.

الإنفعال الوقتي نتيجة أي حدث في رأيي هو أكثر الإنفعالات الإنسانية صدقاً وهو ما يمكن أن نطلق عليه "إنفعال اللحظة" وهو يعبر عن مكنونات النفس البشرية وما تحتويه هذه النفس من مشاعر مختلفة تجاه الآخرين، وهذا ما تابعته بمجرد الإعلان يوم الخميس الماضي عن إصابة شارون بجلطة دماغية بالغة وأن حالته جدّ خطيرة وإنه إن تعافى منها فلن يعود مرة أخرى لحلبة السياسة، تلك التعليقات التي قرأتها بإهتمام من على موقع فضائية إخبارية عربية على الإنترنت كانت تعليقات على الخبر موضوع حديثنا، فقد كانت معظم هذه التعليقات تصب في إتجاه واحد فقط وهو التشفي والشماتة وتمني هلاك هذا الرجل وذهابه إلى حهنم وبئس المصير، وهذا ما أسميه أماني العاجزين، فهذه شعوب عربية لها الحق في كل هذا الكره والبغض لهذا الرجل الذي يعتبرونه –وأنا منهم – عدوهم الأول لأسباب معلومة وحقيقة ويعرفها القاصي والداني، فالرجل تاريخه ملطخ بدماء الأبرياء من العرب والمسلمين، ورغم هذا لم تجد هذه الشعوب المقهورة مسلوبة الإرادة متنفساً لتفريغ تلك الشحنات الهائلة من الكراهية تجاه هذا الرجل إلا عند مرضه، ويزيد من هذا الضغط النفسي والمعنوي على هذه الشعوب هو موقف حكوماتها من هذا "الشارون" وهو الموقف الذي يجدونه مناقضاً لما يجب أن يكون عليه، ولا يخفى على أحد أن رئيس أهم دولة عربية وصف شارون بأنه رجل سلام !

لكن الذي يتناساه الكثيرون من العرب أن شارون لم يجيء إلى الحكم في إسرائيل خلفاً لوالده أو عبر تعديل الدستور ليناسب مقاسه، ولم يصل إلى كرسي الحكم عبر إنتخابات مزوّرة، ولم يستغل وجوده في الحكم في إعداد نجله "عمري" أو "جلعاد" لكي يخلفه في الحكم عبر تأسيس كيان سياسي شيطاني خاص به، كل هذا لم يحدث فكلنا يعلم أن شارون جاء إلى الحكم عبر إنتخابات تنافسية حرة ونزيهة حصل فيها على بضع وخمسين في المائة من عدد الأصوات وليس على الأربع تسعات الشهيرة أو على النسخة المعدّلة موديل 2005 وهي بضع وثمانين في المائة، وهذا يدل على أن غالبية المجتمع الإسرائيلي يؤيد توجهات شارون الدموية، وما يزيد الطين بلة أن شارون في الفترة الأخيرة قد لاقى معارضة شديدة داخل حزبه وحكومته وداخل إسرائيل ليس لسياساته الدموية أو تطرفه تجاه الفلسطينيين ولكن لأنهم يعتبرونه متساهلاً ويفرّط في الأرض المقدسة حسب زعمهم ! وهو ما جعله يترك زعامة حزب "الليكود" ويتجه لتأسيس حزب جديد تحت إسم "كاديما" الذي يمثل تيار الوسط المعتدل!

توقفت طويلاً عند تعبير لمراسل تليفزيون "بي بي سي وورلد" في القدس والذي وصف شارون في تقرير له أنه "أهم دبلوماسي في منطقة الشرق الأوسط"، وللعلم هذه المنطقة التي يعتبرون شارون أهم سياسي فيها تضم أيضاً إلى جانب إسرائيل 22 دولة عربية تشكّل كيان بائس إسمه جامعة الدول العربية ، فما هو رأي زعماء بلاد أمجاد يا عرب أمجاد إزاء هذا الوصف وهل هو وصف دقيق فعلاً؟ ولماذا وصلت حالة الإنحدار في هذه المنطقة إلى أن أصبح زعيم يهودي هو أهم سياسي في المنطقة؟ ولماذا صار هذا "الشارون" في هذا الوضع وهذه المكانة عالمياً؟ وهل هذا هو ما يفسر لنا هذه الضجة التي أحدثها مرض شارون "رجل السلام "!

هناك نقطة أخرى ينبغي ألا تغيب على أذهاننا نحن العرب والمسلمين وهي أن إسرائيل لم تكن لتمارس كل هذه الغطرسة والإستكبار والفساد في الأرض لولا "العائل" الأساسي والراعي الرئيسي لها والدعامة التي تقوم عليها وهي الولايات المتحدة الأمريكية، دولة الإستكبار العالمي، والتي يحكمها الآن مجموعة من الغلاة المتطرفين يُعرفون بالمحافظين الجدد والذين خطفوا السياسة الأمريكية ووجهوها لخدمة إسرائيل ومصالحها ولو حتى على حساب مصالح الولايات المتحدة نفسها، لدرجة أن "الكونجرس" الأمريكي صار أكثر تشدداً تجاه قضايا العرب والمسلمين من "الكنيست" الإسرائيلي نفسه،نعني هنا أن المشكلة بالدرجة الأولى ليست في مَنْ يحكم إسرائيل ولكن تكمن المشكلة في مَنْ يدعمها ويقف وراءها ويُسخّر "الفيتو" الأمريكي لإجهاض أي قرار يقترب من رحاب إسرائيل ولو حتى بمجرد الإدانة.

على هامش جلطة شارون
- وصف موقع 'إسرائيل نيوز' 5/1/2006 - حالة شارون الصحية بأنها أشبه تماماً بنفس الحالة التي مرت بالرئيس الفلسطيني 'ياسر عرفات' قبل وفاته، حيث عانى لعدة أيام من غيبوبة تامة مع حالات إفاقة من الحين للآخر، لكن الموقع العبري أكد أن شارون لم يمر حتى هذه اللحظة بحالة إفاقة واحدة.
-"الصلاة لأجل هذه الأرض التي ربما تعرف السلام.السلام الذي لم يرغب فيه أبداً" الكاتب "برادلي بوسطن" في مقال له على موقع صحيفة هاآرتس باللغة الإنجليزية 5/1/2006 تحت عنوان "الصلاة من أجل رئيس الوزراء "
- "أطلب من السياسيين في إسرائيل الاهتمام بصحة شارون"..عباس أبو مازن نقلاً عن وكالة "رويترز" 5/1/2006
- "نأمل ان يكون مجرم صبرا وشاتيلا انضم الى اجداده، واذا اراد الله سينضم اليه الاخرون قريبا" ..الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد

بعيداً عن شارون وجلطته
أجمل الأمنيات القلبية لكم جميعاً ولجميع المسلمين والعرب بمناسبة عيد الأضحى المبارك، داعياً الله عز وجل أن تتحق أحلامكم وكل ما تتطلعون إليه.

Wednesday, January 04, 2006


أيمن نـور وثُلاثي "الأحـرار"

وصفت افتتاحية صحيفة نيويورك تايمز( 29 ديسمبر الماضي) الاتهامات الموجهة لأيمن نور بأنها "سخيفة ومضحكة"، وأضيف أنها أيضاً تنمّ عن غباء من قام بنسجها وتدل على تفرده بخيال روتيني مستوطن كما تشير بوضوح أنه يفترض الغباء في الجميع وهذه بالفعل حالة الغبي فهو يفترض دائماً أنه النابه الوحيد وأن ما عداه من خلق الله لديهم قصور في الفهم.

وببساطة شديدة ووضوح أكثر أقول إنني أفضل البدء من انتخابات مجلس الشعب التي بدأت معها أهم خطوات تصفية نور سياسياً فقد حملت لنا النتيجة الرسمية المعلنة للمرحلة الأولى أن السيد نور قد خسر مقعده في دائرة باب الشعرية أمام منافسة يحيى وهدان الضابط السابق في جهاز أمن الدولة والذي حصل على 5556 صوت ! فهل يعقل أن يفشل نور في الحصول على بضعة آلاف من الأصوات وهو الذي ظل نائباً لدائرته عشر سنوات ورأينا حجم المشاركة في مؤتمراته الشعبية وحب الناس له وإصراره على الذهاب إلى دائرته كأول مكان يذهب إليه عقب خروجه من حبسه بكفالة، ورأينا كيف استقبله الناس استقبال الفاتحين، هل يصدق عاقل أن نور الذي خاض انتخابات الرئاسة وكان المرشح الوحيد الجاد ضد الرئيس الحالي وحصل على نسبة 7 في المائة من الأصوات بما يزيد عن نصف مليون صوت هل نصدق أنه لم يستطع الحصول على بضعة آلاف من الأصوات في انتخابات دائرته ووسط ناخبيها الذين خبروه وأحبوه وتشرفوا به وبروح التحدي والصراحة والوضوح والنقد دون مواربة أو حسابات، ونصل إلى موضوعنا ونتساءل هل من المعقول أن نصدق من يدّعي أن نور لم يستطع الحصول على الخمسين توكيل المطلوبة لاستيفاء أوراق الحزب؟ وهل ضاق به الحال إلى أن يزور توكيل والده وزوجته؟ لا شك أنه من السخف تصديق ذلك.

لكن من المؤسف حقاً أن نشاهد من يستغل هذه المواقف لتصفية حسابات حقيقية أو وهمية بينه وبين نور، ففي تلك المواقف الإنسانية التي يمر أصحابها بمحن وأزمات خاصة أما نظام توحش في التنكيل بالأفراد، فمن حسن الخلق التحلّي بشيء من الكياسة فيتناسى الواحد منا خلافاته وربما أحقاده حتى يخرج الرجل من محنته وبعدها يعود كل منا إلى موقعه، لا أن ينتهز نفر منا هذه الفرصة ويأكل في لحم الرجل وهو في وضع لا يستطيع الرد لأنه قابع في زنزانته يعاني برودة الجو والناس.

السيد أحمد عبد الهادي صاحب ورئيس تحرير جريدة شباب مصر الإليكترونية والصحفي بجريدة "الأحرار" المصرية وصف حصول نور على رخصة إنشاء حزب الغد آنذاك بأنها " صفقة قذرة" وتحدث حينها عن صفقة بين نور والحكومة تم على أساسها منح نور تصريح قيام حزب الغد !

ولا أدري ماذا يقول السيد عبد الهادي الآن بعد حكم محكمة الاستئناف على نور بالسجن المشدد خمس سنوات ؟ هل هذه تمثيلية قذرة أيضاً؟ فالرجل لم يترك مناسبة إلا وشن هجومه وسخّر جريدته الإليكترونية للنيل من نور خاصة وهو في الحبس في المرة الأولى ثم فاجأنا بإعلان تأييده على الملأ للرئيس مبارك في انتخابات الرئاسة فقط نكاية في أيمن نور!

النموذجان الأخريان - سبق لهما أيضاً العمل في جريدة الأحرار المصرية - صمتا طويلاً عندما دخل أيمن نور إضراباً عن الطعام في محبسه استمر لمدة 18 يوماً ولم يكتب أحد منهما كلمة واحدة عن معاناة الرجل إلى أن صدر حكم المحكمة فتباريا في سطر كلمات تنضح شماتة وتشفّي في نازلة أصابت الفتى الذي كان مليء السمع والبصر، فقد رأيت الأول في غرابة يكتب منتشياً في 27ديسمبر الماضي "...هذا كلام أيمن نور نفسه وزوجته ومحاسبيه وأنصاره. لكن القضية جنائية في الأساس" ثم عاد بعد يومين ليقول لنا في نهاية عموده اليومي " ...الواضح ان النظام أخفق تماماً في معالجة هذا الموضوع حتي التصقت به شبهة الانتقام من هذا المعارض فكأن هذا النظام هو المدان وكأن نور هو البريء!!." هكذا وبكل سهولة ويسر توصّل صاحبنا إلى هذه النتيجة المذهلة ! وكأنه يرى مالا نراه، ولكنه لم يقل لنا حيثيات الحكم الذي أصدره على زميل له في المهنة، وليته يفيدنا هل هي مصادفة أن يصدر الحكم نفس القاضي الذي حكم على الدكتور سعد الدين إبراهيم قبل خمس سنوات؟ ، أما الثاني الذي أدعو له بالشفاء من أمراض القلب والبدن فقد أعاد في 28 ديسمبر الماضي سرد تاريخ مشوّه عن الرجل وكيف أنه – أيمن نور- كان أداة في أيدي أحد أهم أركان النظام في البرلمان! ولو فرضنا جدلاً أن هذا الأمر موضع شك -مع يقيني أنه غير صحيح بالمرة- فهل هذا هو الوقت المناسب لهذا الكلام؟ أليس هذا زميلاً لك وهو الآن في محنة ويتوجب الوقوف بجانبه في أزمته؟ أليس من الواجب نسيان الخلافات وربما الأحقاد في مثل هذه المواقف الإنسانية المؤلمة خاصة عندما يكون الضحية زميلاً لك ؟

ربما يتعلق الأمر في رأيي بنظرة ما -يعلم الله ما فيها- إلى أحد أبناء نفس الجيل دخل بقوة إلى عالم الصحافة وما لبث أن لمع نجمه في الوسط الصحفي عندما ساهم في خروج الأعداد الأولى من جريدة الوفد عام 1984 فناله ما ناله من مشاعر سلبية اختزنها له زملاءه في المهنة، ثم انتقل الرجل إلى معترك السياسة وسريعاً حلّق في سماء السياسة وزملاءه السابقين ما زالوا يتابعونه بأعينهم وما بداخلهم من مخزون لم يجدوا الفرصة لتفريغه نظراً لنجاحات الرجل على مدى عشر سنوات في البرلمان بداية من تميزه كأصغر نائب في البرلمان عام 1995 ثم حصوله على جائزة أفضل أداء برلماني لدول شرق البحر الأبيض المتوسط 1999، إلى أن جاءتهم الفرصة لاجترار ما بداخلهم تجاهه عندما نفد صبر أهل العقد والحل على السياسي الشاب وطموحه الشرعي وتجاوزه خطوطاً يرونها حمراء فدبروا له المكائد والحيل إلى أن أوقعوا به، واليوم نراه وحيداً يعاني ظلم الفريقين زملاءه وجلاديه.


Thursday, December 29, 2005

على أعتاب عام هجري جديـد
1427 هـ

يقول المولى عز وجل "إلاَّ تنصروه فقد نصَره اللهُ إذْ أخرجَه الذين كفروا ثانيَ اثنينِ إذْ هُمَا في الغارِ إذ يَقولُ لصاحِبِه لا تحزنْ إنَّ اللهَ معَنا، فأنزلَ اللهُ سكينَته عليه وأيَّدَهُ بجنودٍ لمْ ترَوْهَا وجعلَ كلمةَ الذينَ كفروا السفلى وكلمةُ اللهِ هيَ العُليا، واللهُ عزيزٌ حكيمٌ) صدق الله العظيم.(التوبة: 40).

كلما قرأت هذه الآية أستحضر عظمة هذا الخالق الذي أيّد بنصره فردين ضعيفين مُطاردين من ظلم وجبروت طغاة عصرهما، ولك أن تتصور تلك الحالة التي كان فيها الرسول الكريم وصاحبه مطاردين في رحلتهما من مكة إلى المدينة في مسافة يبلغ طولها حوالي 450 كم ،ثم ضع بجانب تلك الصورة بلوغ هذا الدين مشارق الأرض ومغاربها، فمن ذلك الضعف والهوان إلى العزة والانتصار، نعم إنها قدرة الله ومشيئته التي أرادت أن يظهر هذا الدين ولو كره الكافرون، فلو قِيل لأحد هؤلاء الكفار وقتها أن هذا الدين سيصل إلى كل بقاع الأرض وسيكون له شأن عظيم لاستلقى على ظهره من الضحك والسخرية، ولكن كانت هناك مشيئة الله التي هي فوق كل إرادة.

لقد شاء الله أن يتربي جيلاً من المؤمنين بحق، جيلاً من الذين إستمعوا القول فإتبعوا أحسنه، وآمنوا وعملوا بما سمعوا فبلغوا مشارق الأرض ومغاربها وصاروا سادةً للأرض ورعاة للأمم، فلك أن تتصور مدي إيمان هؤلاء الصفوة برسالة نبيهم وإتباعهم لأوامر الله ورسوله فتجدهم مثلاً ومنذ أربعة عشر قرنا ينزل القرآن على نبيهم قائلاً " وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ "النمل:88 فيؤمنوا بما سمعوا دون جدال ويقولوا سمعنا وصدق ربنا ورسوله، مع أنهم نشأوا ومن قبلهم آباؤهم وأجدادهم ولم يروا الجبال تتحرك أو تنتقل من مكانها، ولكنهم كذّبوا حواسهم وصدّقوا كلام الله، فإذا أمعنا النظر في هذا الموقف وغيره من جانب الصحابة وطاعتهم لأوامر ربهم وتسليمهم بكلام بارئهم نعرف جيداً لماذا كتب الله النصر لهؤلاء بينما كتب علينا الهزيمة والذل والإنكسار أمام أحقر أهل الأرض.

هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم فيها الكثير من العبر والدروس وينبغي ألا تمر علينا مرور الكرام فالإنسلاخ من هوينا وجذورنا قد بلغ فينا مبلغه لدرجة أننا لا نشعر بإنقضاء العام الهجري وبداية آخر وربما تجد الكثيرين من المسلمين لا يعرفون في أي عام هجري نحن، في حين نجد الكثير من مظاهر "الاحتفال " ببداية عام ميلادي جديد مع علمنا أن كل هذه الأمور التي طرأت على مجتمعاتنا الإسلامية ليست من الإسلام في شيء، فلابد أن نعي أن الإسلام يختلف عن كل ما سواه ولابد أن يكون المسلم متفرداً متميزاً عن غيره من غير المسلمين، ومن ثم فإن استقبالنا للعام الهجري الجديد لا يجب أن يكون من خلال المظاهر الاحتفالية فقط مع اعتقادي بأهميتها في أن نُظهر للعالم تمسكنا بهويتنا الإسلامية ولكن الأهم هو مراجعة النفس وتصحيح المسار حتى ننهض بهذه الأمة التي طالت غفوتها.

ومع نهاية عام وقدوم آخر يُطلق كل منا العنان لأحلامه وتطلعاته للعام الجديد، فتعالوا نحلم معاً بغدٍ يُعلي فيه الله كلمته على أيدينا حتى يمكننا ربنا من أن نلقم حجراً لكل من يتجرأ على هويتنا ويخوض في ركائز عقيدتنا أو يطعن في ديننا فهو أعز ما نملك، وهذا لن يكون إلا بالعودة إلى تعاليم ديننا وتطبيقها في جميع مناحي حياتنا، فعزتنا ونصرنا لن يأتي إلا بالتمسك بهذا المنهاج الذي يتوافق مع الفطرة البشرية ولا يتناقض معها لأنه بإختصار منهاج مَنْ خلق هذه النفس وسوّاها.

كلمة خالدة قالها الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن إبتغينا العزة في غيره أذلنا الله " صدقت يا صحابي رسول الله، نعم منّا من طلب العزة في المال وتجاهل دينه فأذله الله، ومنّا من طلب العزة في الإنغماس في الملذات فأذله الله إلى ما يسعى إليه، ومنّا من سعى إلى جاه أو سلطان فأذله الله لممن هو أدنى منه، ومنّا..ومنّا...، حقاً إنه البعد عن طريق الله، فنحن أعزاء كرماء وعزتنا وكرامتنا تأتيان فقط من كوننا مسلمين ملتزمين بديننا ولا شيء آخر، فالتمسك بديننا وأوامر ربنا ورسوله هو طريق الخلاص وطوق النجاة من الغرق القادم لا محالة.

وأختم بقول الشاعر الذي يخاطب ضمائرنا قائلاً:

يكفي البكاء على تراب ضائعٍ
يكفي الفخار بذاهب متنقلِ
والمجد لا يُشرى بقول كاذبٍ
إن كنت تبغي المجد يوماً فافعلِ

Sunday, December 25, 2005

! نشـرة جويـة نفسيـة

في صباح يوم الخميس قبل الماضي إستيقظ من نومه ونظر إلى السماء وقد غطت صفحتها سحب كثيفة تحجب خلفها أشعة الشمس مع نسمة هواء تحمل برودة خفيفة تكتنف هذا الجو الرائع، فقفز إلى ذهنه على الفور مدى إرتباط هذا الجو بالذات بذكرى ما أو قل بحلقة من تلك السلسة التي لا تنتهي من الذكريات والتي لا حيلة له معها، فقد كان صاحبنا في الماضي يعشق هذا الجو الذي كان دائماً يراه مُفعماً بالعواطف والمشاعر الفياضة، ولطالما تمنى أن يكون العام كله هكذا.

ولا أدري لماذا ارتبط عنده هذا الجو بالذات بالإفراط السخي في مشاعره تجاه مَنْ كان يشاطرهم أنبل وأسمى وأرقى وأعلى وأنقى المشاعر الإنسانية، فكان بمجرد أن يستيقظ من نومه في السادسة والنصف صباحاً لكي يستعد لبدء يوم جديد يستهله بالذهاب إلى عمله بالمدرسة القريبة من منزله؛ ويجد يومه وقد كساه هذا الجو الرائع بثوبه الأنيق، كان يشعر بقدر هائل من الصفاء والتسامح خاصة تجاه هؤلاء، وحتى إن كان الجو بينهما في ذلك الوقت مُلبّداً بالغيوم أو يشوب علاقتهما بعض الخلافات البسيطة والتي كان يسعى كلاهما أن تكبر لأنها كانت بمثابة نكهة خاصة تعطي للتواصل بينهما معنىً آخر؛ فكان على الفور يسارع بالسؤال عنهم وتصفية ما بينهما من خلاف بسيط، وحينها كان ينتابه شعور لا يمكن وصفه، شعور بالرضا التام عن كل شيء حوله، شعور يُضفي على الأشياء من حوله سحراً خاصاً، لدرجة أنه كلما نظر إلى إنسان أو شيء شعر وكأنه يبتسم له، فالأشجار والنخيل وصفحات الماء كانت تبدو له في صورة جميلة رائعة غير معتادة...حتى مفتش الأقسام بالإدارة التعليمية التابع لها والذي كان دائماً لا يطيق لقاءه لكونه روتيناً يمشي على الأرض كان يراه حينها إنساناً لطيفاً خفيف الظل مع إن الواقع غير ذلك تماماً.

هل هناك من صلة ما بين حالة الجو وحالة الإنسان النفسية؟ وهل ما كان يمر به صاحبنا هي حالة نفسية عابرة؟ ربما ولكنها صادقة وذات مذاق لا يمكن وصفه كما أنها يصعب أن تتكرر لندرة وربما لانعدام وجود ذلك النموذج الفريد الذي صادفه في مصادفة كانت هي الأجمل على الإطلاق، ولكن الآن ما قيمة جمال الأشياء والأوقات إذا غُيّب عنّا من تمنينا أن يشاركنا حلو اللحظات ومرها؟


Wednesday, December 21, 2005


هل صوّت الإخوان لمرشحي الحزب الوطني ؟

أعتقد أنه من السذاجة أن نتصور أن الحرية التي تمتع بها أعضاء جماعة الإخوان المسلمين منذ بداية الحملات الانتخابية وحتي إعلان نتيجة المرحلة الأولي من الانتخابات التشريعية في مصر كانت دون تنسيق واتفاق مسبق مع النظام الحاكم في مصر، فإذا رجعنا أشهر قليلة إلي الوراء عندما وجد الإخوان أنفسهم في حرج شديد بسبب خروج حركة كفاية إلي الشارع في مظاهرات دون الحصول علي إذن أو تصريح من النظام، فرأت جماعة الإخوان وقتها أنه لا بد أن تخرج هي الأخري إلي الشارع، وكيف لا تخرج وهي من يتغني أفرادها ليل نهار انها القوة الرئيسية في الشارع المصري، وفي حين كانت تمر مظاهرات كفاية تقريباً دون اعتقالات، وجدنا الأمر مختلفاً مع مظاهرة الإخوان عندما خرجوا في مظاهرات لاستعراض القوة وليوجهوا رسالة إلي من يهمه الأمر في الداخل والخارج علي السواء، إلا أن النظام وكعادته معهم لم يتهاون واعتقل ما يزيد علي ألفي شخص من أفراد الجماعة ومن بينهم د. محمود عزت الأمين العام للجماعة، ود. عصام العريان أحد أهم أقطاب الجماعة الذي لم يُفرج عنه إلا بعد أكثر من خمسة أشهر

جرت كل هذه الاعتقالات نتيجة مظاهرة أو أكثر قام بها الإخوان، فكيف بالله عليكم أن نتصور أن ما رأيناه منذ بداية الحملات الانتخابية لمرشحي الجماعة في انتخابات البرلمان من تسجيل اسم الجماعة علانية علي ملصقات ومواد الدعاية لمرشحي الإخوان في الشوارع والجرائد دون أية مشاكل، بالإضافة إلي المسيرات والمؤتمرات الشعبية في جميع محافظات مصر، أضف إلي ذلك الأحاديث الصحفية المطولة مع مرشد الإخوان في الجرائد الحكومية، فكيف نتصور أن يكون كل هذا بدون التنسيق مع النظام أو الاتفاق معه، نعم لماذا نستبعد أن يكون هناك اتفاق ما مع النظام أو أجنحة بعينها داخل الحزب الحاكم، وأمام أعيننا مؤشرات كثيرة تدل علي ذلك ومنها إخلاء جميع دوائر الوزراء وكبار رجال الحزب الوطني وعدم تقديم أي مرشحين من الإخوان في تلك الدوائر ومن المستحيل أن يكون هذا الأمر مصادفة، كما أن أغرب ما قرأته هو ما جاء في جريدة البيان الإماراتية بعد إعلان نتيجة المرحلة الأولي أن تعليمات قد صدرت لأعضاء الجماعة لتصوت لمرشحي الحزب الوطني في الدوائر التي لا يوجد فيها مرشحون للإخوان، وإذا شكك أحد في هذا الكلام فليقل لي لمن صوّت الإخوان في تلك الدوائر

وطالما أنهم يدّعون رفضهم للنظام الحاكم ويهاجمونه بكرة وأصيلا ويعلنون انحيازهم لصفوف المعارضة التي تقف في وجه هذا النظام، فلماذا لم يدعا أنصارهم للتصويت لصالح مرشحي المعارضة ضد مرشحي الحزب الحاكم في الدوائر التي ليس للإخوان مرشح فيها؟ فهل أرادت الجماعة إسقاط مرشحي جبهة المعارضة حتي يبدو للعيان أنها الممثل الوحيد القوي للمعارضة في المشهد السياسي المصري؟ وهل هذا بناء علي اتفاق مسبق مع النظام في مصر لتبادل منفعة بين الاثنين حيث يرغب الإخوان في قيادة المعارضة المصرية، بينما يريد النظام أن يُظهر للعالم أن هناك ديمقراطية في مصر أتت بالإخوان علي رأس المعارضة في البرلمان

طوال العمر المديد لنظام الحكم في مصر انفرد وحده بتحديد شكل المعارضة التي حرص أن تبقي معارضة هزيلة وشكلية لكي تكون بمثابة ديكور كرتوني حتي يقول بالفم المليان ان عندنا معارضة، فالنظام هو من يمنح أو يمنع قيام الأحزاب وبالتالي يتحكم في مصير المعارضة في مصر، وطالما أن الحزب الحاكم قد ضمن الأغلبية في البرلمان عبر ضم النواب المستقلين من المرتدين سياسياً ، ومن ثم لن تتعطل أية مشاريع قوانين يطرحها علي البرلمان، فلماذا إذن لا يجمل الصورة عن طريق السماح بتمثيل أكبر لتلك الجماعة طالما أن هذا التثميل لن يؤثر بأي حال من الأحوال علي سياسات النظام الحاكم داخل البرلمان

والآن جاء دور ورقة الإخوان لكي يستخدمها مرة أخري كفزّاعة للغرب مثلما استخدمها في الماضي، ولكن هذه المرة من تحت قبة البرلمان عبر التخويف بالدقون حسب تعبير كاتب مصري مقيم بالولايات المتحدة، فالنظام الحاكم يسمح لهم اليوم بمزيد من الحرية والحركة والتمثيل البرلماني لكي يكونوا في الإطار بصورة أكثر وضوحاً أمام الغرب عموماً وسيد البيت الأبيض خصوصاً لكي يقول لهم هذا هو البديل الذي ستتعطل مصالحكم إذا ما وصلوا إلي الحكم فيضمن دعم الأنظمة النفعية في الغرب والتي تسعي إلي مصالحها فقط، فمن السخف أن نتصور أن تلك الدول هي جمعيات خيرية تسعي لخير البشر وخاصة العالم العربي والإسلامي

Monday, December 12, 2005


! خُبـز السيد بوش

يتصرف سيد البيت الأبيض دائماً وكأنه في عمل سينمائي هوليودي ضخم، فالسيد بوش سبقته حملة إعلامية ضخمة تبشر بخطة عبقرية لتحقيق النصر في العراق تحت اسم "الإستراتيجية الوطنية للنصر في العراق"!، ثم أجهد نفسه وقطع 32 ميلاً من البيت الأبيض إلى مقر الأكاديمية البحرية ليعلن من هناك ومن وراء منصة مكتوباً عليها بخط واضح كبير خطة للنصرPlan For Victory عن الخطة التي أعدها البيت الأبيض في نحو 35 صفحة ويقف وراءه في خلفيه المشهد السينمائي أفراد بزيهم العسكري لتكتمل حبكة الفيلم على الطريقة الأمريكية.

هناك أحد الأمثال الشعبية مفاده أن "الجوعان دائماً يحلم بسوق الخبز" والنصر في العراق هو خبز السيد بوش الذي أثبت فعلاً أنه يحلم به كثيراً، ففي خطابه بالأكاديمية البحرية في 30 نوفمبر الماضي وردت كلمة النصر Victory خمس عشرة مرة، كما أن هذه الكلمة التي صارت الحلم المفضل بالنسبة للسيد بوش وأركان إدارته قد وردت كثيراً في هذه الوثيقة ذات الخمس وثلاثين صفحة منها 6 مرات في الفهرس فقط بما فيها أقساماً من الخطة اشتملت عناوينها على هذه الكلمة الحُلم مثل: " فوائد تحقيق النصر في العراق"، "تحقيق النصر سيحتاج إلى وقت"، "النصر في العراق ذو أهمية حيوية بالنسبة للولايات المتحدة"...إلخ، وإن دل هذا فإنما يدل على هوس هذا الرجل بشيء إسمه النصر ولكنه لا يستطيع إلى تحقيقه سبيلاً، فمنذ أن دخل عش الدبابير – العراق- والمقاومة العراقية تزداد حدتها يوماً بعد يوم، ورغم التعتيم الإعلامي الشديد على ما يجري هناك خاصة بعد إغلاق مكتب قناة الجزيرة في بغداد؛ إلا أن عناصر المقاومة إستغلت تقنية الإنترنت في إيصال جانب ضئيل مما يحدث هناك للعالم عبر الشبكة المعلوماتية الدولية، وقد برهنت هذه المقاومة الباسلة للعالم وبسرعة "نجاح" خطة بوش عندما تمكنت من قتل أربعة عشر جندياً أمريكياً في خلال يومين فقط من إعلان السيد بوش عن خطته العجيبة لتحقيق النصر ليتضح لكل ذي عقل أن تلك الخطة قد بدأت بالفعل تؤتي ثمارها !

السيد بوش وأركان إدارته في ورطة حقيقية في العراق، ولا أدري لماذا كل هذه الحبكة السينمائية ؟ فإذا كانت لديك إستراتيجية للنصر فتفضل بتنفيذها على الأرض ودعنا نرى، ولكن الحقيقة أنه يأمل في إيجاد مخرج من هذا النفق المظلم الذي وضع نفسه فيه بغطرسته وتفرده بقرار غزو العراق متحدياً العالم والشرعية الدولية متخذاً شعار " مَنْ أشد منا قوة ؟"، فقد إتضح بما لا يدع مجالاً للشك أن حُجة غزو العراق كانت كذبة كبيرة أو قل سلسلة طويلة من الأكاذيب ما لبثت أن إلتفت حول عنق سيد البيت الأبيض الذي روج لأكاذيب عديدة بداية بأسلحة الدمار الشامل والأسلحة الكيمياوية التي إدعى أن العراق يمتلكها وإنتهاءاً بالفيلم الهابط عن علاقة صدام حسين بتنظيم القاعدة !

القوات الأمريكية المحتلة استنفذت كل ما لديها من وسائل بالعراق بما فيها الأسلحة المحرمة دولياً (منها الفوسفور الأبيض والقنابل العنقودية) ولكن رغم كل هذا لم تستطع أن تخفف من حدة هجمات المقاومة العراقية، ولهذا يسعى السيد بوش في إيجاد أي مخرج، فهذه الخطة التي ينبغي تسميتها "الإستراتيجية الوطنية للهروب من العراق" يسعى من خلالها للهروب من العراق لكن مع حفظ ماء الوجه ولعل الحديث في تلك الخطة والاعتراف بضرورة وجود "مسار سياسي" وعدم الاكتفاء بالنهج العسكري يشير إلى ذلك، وليته يعلم أنه حتى هذه الفرصة قد فات أوانها وذهبت هي الأخرى مع الريح، فلن تستطيع القوات الأمريكية الخروج من العراق إلا منكسرة مهزومة طالما أن السيد بوش كابر وعاند وأصر على البقاء رغم الخسائر التي تعرضت لها قواته التي غزت واحتلت ودمرت دولة مستقلة ذات سيادة.

أختم بملاحظة هامة وهي إختفاء الكثير من كُتّاب المقالات والأعمدة الذين يروجون لمشروع الهيمنة الأمريكية والذين إصطُلح على تسميتهم "مثقفو المارينز"، وأتساءل أين ذهب هؤلاء ؟ أعلم أنهم ما زالوا مستمرين في الكتابة ولكنهم يتحدثون هذه الأيام في موضوعات أخرى مختلفة بعدما صدّعوا رؤوسنا بالنموذج العراقي وأمطار الحرية التي تصوّر أحدهم أو حلُمَ ذات مرة أنها تنهمر بشدة على بلاد الرافدين، نعم لقد حان الوقت ليتقهقر هؤلاء وهؤلاء إلى الوراء خجلاً أو انكسارا فقد جاء دور الشرفاء الذين على أيديهم سينكسر المحتل وينسحب يجر أذيال الذل والهزيمة وسوف يندحر مثلما اندحر سابقيه من الغزاة على مر العصور، فهذا هو قانون البشرية الخالد الذي سوف يدوم ما دام هناك شرفاء يزودون عن أرضهم وعرضهم بأرواحهم وأموالهم وكل ما يملكون في سبيل تحرير الأرض وصيانة العرض رغم أنف دعاة الاستسلام والذين يروجون لثقافة الانبطاح والرضوخ للهيمنة الأمريكية وعندها سوف نغني طرباً وفرحاً وابتهاجا "وأمطري يا حرية في العراق".

Monday, December 05, 2005

بين مطرقة الوطني وسندان الإخـوان

أبْلَغ ما سمعت عن نتيجة المرحلتين الأولى والثانية من الانتخابات التشريعية المصرية هو ما قاله الدكتور عبد الحليم قنديل رئيس التحرير التنفيذي لجريدة العربي الناصرية في تعليقه على تلك النتيجة التي أوصلت الإخوان لذلك العدد غير المتوقع من المقاعد التي حققوها فوصف التصويت في الانتخابات بأنه تصويت "احتجاجي" بمعنى أن غالبية الناخبين حرص على أن يصوت لأي مرشح غير مرشح الحزب الوطني الحاكم ليس حباً في سواد عيون الإخوان أو غيرهم وإنما نكاية وإنتقاماً من ذاك الحزب الذي جثم على صدور الناس وسامهم سوء العذاب لما يقرب من ربع قرن، وأكبر دليل على ذلك هو ما حدث في أحد دوائر وسط القاهرة عندما صوّت الناخبون لمرشح مستقل فحصل على أعلى الأصوات مكنته من دخول الإعادة أمام مرشح مستقل آخر ولكنه أعلن انضمامه للحزب الوطني قبل جولة الإعادة فما كان من الناخبين إلا أن أسقطوه في جولة الإعادة عندما صوتوا للمرشح المستقل المنافس له.

الحزب الوطني الحاكم في أضعف حالاته، وقد رأينا كيف تساقط مرشحوه أمام مرشحي الإخوان والمستقلين مثل أوراق الشجر في الخريف، فليس لدى الحزب ما يقدمه للناس فقد كانت بضاعة التصريحات الزائفة وخداع الناس عبر تعبير براق زائف ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب كانت في الماضي ولسنوات عديدة تنطلي على الناس في ذلك الزمان الذي صُكّت فيه تعبيرات برّاقة ظلت تخدع الناس وتوهمهم بأن من تسببوا في تعاستهم قد يغيروا مسارهم ويعودوا عن فسقهم وفسادهم بين عشية وضحاها، وأتفق تماماً مع ما قاله الأستاذ طه خليفة في الراية الأحد الماضي، فقد كتب متحدثاً عن الحزب الوطني قائلاً: ".. وقد بات مؤكداً أنه سبب نكبات مصر، وطالما هو موجود في الحكم بأي ثمن فإن النكبات ستزداد وتتفاقم إلى نهاية لا يعلمها إلا الله وحده".

في الماضي قد كنت أشعر بالغيظ وارتفاع في ضغط الدم عندما كنت أجد مسؤولاً في ذاك الحزب يحاول بكلماته وتعبيراته المزخرفة تجميل الصورة القاتمة عبر تصريح برّاق زائف ولكن ذاك عهد مضى، أما في هذه الأيام والله إنني أشفق على كل من يشارك في مداخلة أو برنامج تليفزيوني ممثلاً لهذا الحزب، فماذا يقول وبماذا يعد وقد بدا للعيان أن الناس ضجرت ونفد صبرها ولم تعد تقبل الزيف واللعب بمستقبلهم عبر سفسطة بائسة يضحدها ويدمغها الواقع على الأرض المتمثل في أحوال الناس ومعيشتهم التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

نتيجة المرحلة الأولى والثانية من الإنتخابات التشريعية تشير أهم ملامحها إلى أن الحزب الوطني كعادته دائماً سيكون له أغلبية الثلثين في البرلمان الجديد وذلك بعد أن يتمكن من ضم المستقلين "المرتدين سياسياً" ،وستكون جماعة الإخوان المسلمين هي زعيمة المعارضة تحت قبة البرلمان مع تمثيل ضعيف جداً لأحزاب المعارضة الأساسية، ومن المتوقع أننا سنعاني كثيراً في السنوات الخمس القادمة من الصفقات العلنية والسرية بين الفريقين – الحزب الوطني والإخوان- وربما يشهد هذا البرلمان "الخطيئة الكبرى" المنتظرة في خلال عامين أو أكثر، وأدعو من الآن ألا يُفاجأ أحد بموقف نواب جماعة الإخوان وقتها.

ومن المؤسف أنه يُراد لنا بطريقة أو بأخرى أن نؤمن أنه لا يوجد في مصر من بديل للحزب الوطني الحاكم إلا جماعة الإخوان المسلمين، وهذا في رأيي استخفاف بعقولنا، فبين هذا وتلك مسافة كبيرة وأطياف عديدة، وإذا خُيّرت أنا شخصياً أيهما أختار فسأرفضهما معاً وأبقى دون اختيار، وحتى لا أضطر أنا أو غيري إلى تفضيل "ثلاثة أرباع العمى على العمى كله" ولكي لا أوضع أنا أو غيري أمام هذا الاختيار الصعب وغير المنصف؛ أدعو الله أن أغمض عيناي وأفتحهما فلا أجد لهذين الفريقين أي وجود في بر مصر، قادر يا كريم..

شكر واجب
في صباي كنت أسمع عن أداة تستخدم في حسم المشاجرات بين البلطجية تسمى "السنجة" ولكن لم أتشرف برؤيتها لأنني كنت وما زلت مُسالماً أنأى بنفسي دائماً عن المشاجرات امتثالاً لنصيحة أمي متعها الله بالصحة والعافية، ولكن خلال متابعتي للإنتخابات التشريعية في مصر تمكنت من رؤية هذه الأداة على شاشات الفضائيات التي كانت تغطي الغزوات الإنتخابية لأنصار السادة المرشحين الذي من المفترض أنهم سيمثلون الشعب الذي يمثل البلطجية فيه نسبة قليلة للغاية، وهنا يجدر بي أن أتوجه بخالص الشكر والإمتنان لنواب برلمان المستقبل على إتاحة الفرصة لي وللكثيرين غيري لرؤية تلك الأداة الحاسمة "السنجة" وأعتقد أن هذه هي أولى الخدمات التي قدّمها هؤلاء النواب للمواطنين وهي نشر ثقافة السنجة والسيف ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة!

Monday, November 28, 2005


! شباب ضائـع وآخـر جائـع

في تغطية خاصة بالتليفزيون المصري لبرنامج يقدمه رئيس قطاع الأخبار عبد اللطيف المناوي المنطلق بسرعة الصاروخ بعدما رأى أهل العقد والحل في مصر منه ما يسرهم وسمعوا منه ما يطربهم؛ تناول البرنامج موضوع الرشاوى الانتخابية وعمليات بيع وشراء الأصوات في المرحلة الأولى من انتخابات البرلمان المصري في جرأة تُحسب للتليفزيون المصري، فقد تحدث مراسل البرنامج مع شباب يعلنون صراحة أنهم يبيعون أصواتهم وقال أحدهم أمام الكاميرا إنه قد حصل على ثمن صوته أكثر من مرة، وقد عرض البرنامج أكثر من مثال بالصوت والصورة في مشاهد تمثل مأساة وصل إليها شريحة من الشباب في مصر وتسبب فيها ثنائي الجهل والفقر، فهذا الشباب بجهله لا يعي أن صوته أمانة ويحاسب عليه أمام الله وقد يتسبب هذا الصوت الذي باعه وقبض ثمنه في وصول شخص فاسد إلى كرسي بالبرلمان يستخدمه فقط لمصلحته الشخصية وليذهب حينها المواطن البسيط إلى الجحيم، كما أن هذا الشباب بجهله لا يعي أنه يتوجّب عليه التصويت لمن يراه الأصلح في رأيه لا لمن يدفع أكثر، هذا من ناحية وفي الجانب الآخر نجد عامل الفقر الذي دفع هؤلاء إلى الإقدام على هذا الفعل الشنيع، فلو كان لدى هؤلاء الشباب ما يكفيهم ما سعوا لبيع أصواتهم لمن يدفع لهم وكأنها سلعة تباع وتشترى، فالجهل في البداية ثم يأتي بعده الفقر الذي يذل أعناق الرجال، ولا أعتقد أن هؤلاء النواب الذي سعوا للوصول لكرسي البرلمان بالمال سيلقون بالاً لهذا الثنائي الخطير الذي يعاني منه شريحة كبيرة من الشباب في مصر.

وأنا أتابع تلك الصور المُخزية على شاشة التليفزيون المصري لا أدري لماذا قفزت إلى ذهني فجأة صور شبان وشابات نراهم دائماً يحجزون المقاعد الأمامية في البرامج التافهة التي تبثها الفضائيات وحفلات المطربين الراقصين والمطربات المائلات، فعندما تقع عيناك بالصدفة على صورهم في هذه البرامج وغيرها من حفلات المغنين والمغنيات أعتقد أنك تسأل نفسك مثلي: ما هذه الوجوه الغريبة؟ وأين يعيش هؤلاء الشبان والفتيات ؟ هل من المعقول أن هؤلاء مصريين يعيشون معنا في نفس البلد؟ ولماذا لا نراهم؟ فطريقة ملابسهم وأسلوب كلامهم وحتى ربما أسماءهم توحي إليك أنهم ليسوا منا ولسنا منهم، والله إنني أشعر بالحسرة عندما أسمع أو أقرأ أن فلان أو فلانة من المطربين الراقصين أو المطربات التافهات الأحياء منهم والأموات حضر له في حلفته الغائية الآلاف من هؤلاء الشباب ذوي العقول البيضاء التي لا تحوي إلا الغناء والرقص وأخبار المغنيين والمغنيات.

هذان نموذجان سلبيان من الشباب ينبغي علينا التفكير في كيفية معالجة الخلل في كلا النموذجين فالفريق الأول الذي تسبب الفقر والجهل في سعيه لأن يبيع رأيه "صوته" إذا وفرنا له قسطاً من التعليم الجيد والمعرفة والتوعية والتثقيف الديني إضافة إلى توفير حياة كريمة له ولغيره لا تُمهن فيها كرامته، لا أعتقد حينها أنه سيسعى إلى ما أقدم عليه، وهي مهمة في رأيي ليست صعبة، فقط من يريد أن يفعل وفي يده زمام الأمر سيفعل، أما الفريق الثاني فأعتقد أن المهمة ستكون أصعب لأننا أمام شباب تربي على هذا الأسلوب التافه في الحياة دون هدف يُذكر سوى ثلة من الاهتمامات السطحية التافهة في غياب ولي الأمر وانشغاله بـ "البزنس" وغيره، ولكن ليس هناك استحالة أما الرغبة والإرادة، فمع مزيد من العلم الصحيح والتثقيف الديني والتوعية بهدف الإنسان في الحياة سيتحول هؤلاء الشباب من مصفقين وراقصين في هذا البرنامج التافه أو أمام هذا المطرب الراقص إلى أفراد فاعلين في المجتمع يحملون همومه ويسعون لرفعة هذا الوطن الذي لا يستحق أبداً هذه المكانة المتدنية بين الشعوب، الغالبية العظمى من الشباب المصري على درجة عالية من الوعي والمسؤولية ونتمنى أن نتمكن من ضم هذين النموذجين السلبيين الذين تعرضنا لهما إلى الشباب المصري المجتهد الحريص على رفعة وطنه لكي نساهم معاً في إيقاظ هذا البلد من غفوته التي طالت.

Saturday, November 26, 2005


! جورج جالاوي العربي

"تخيلوا لو أن أكثر من 300 مليون عربي من المحيط إلى الخليج مع كل هذا النفط والغاز والماء ويتحدثون نفس اللغة ويدينون تقريباً نفس الدين وأقاموا وحدة عربية واحدة ماذا سيكون حالهم؟"
التساؤل السابق بكل تأكيد ليس لزعيم أو مسؤول عربي لأننا على يقين أنهم لا يتحملون ما لا طاقة لهم به فظروفهم واهتماماتهم ومصالحهم ونظرتهم وسياستهم تمنعهم من الخوض في مثل هذا الأمر لأنه سيكون إيذاناً بخروجهم من جنة الراعي الأمريكي وانضمامهم إلى المارقين الشاردين خارج السرب الأمريكي وسيعلن عليهم العم والأب والوصي "سام" حرباً شرسة على كافة الجبهات، فهم لا يرغبون في الانضمام إلى جبهة "شافيز" المتهور أو "كاسترو" المتعجرف.
عضو مجلس العموم البريطاني جورج جالاوي هو منْ طرح هذا التساؤل في محاضرة ألقاها في جامعة دمشق في الثالث عشر من الشهر الجاري، الرجل معروف بتعاطفه مع القضايا العربية لدرجة تعرضه الدائم لسهام اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وغيرها والذين حاولوا تشويه صورته أمام العالم بأن إتهموه أنه قد تلقى أموالاً من الرئيس العراقي صدام حسين فما كان منه إلا أن دافع عن نفسه بقوة وجرأة أحرجت من وجهوا له الاتهام وهو في عقر دارهم.
جورج جالاوي "الاسكتلندي" قال الكثير في محاضرته بجامعة دمشق التي نقلتها "الجزيرة مباشر" ولا أدري هل كان يحاول إيقاظنا مما نحن فيه أم أنه حاول تأنيبنا على ما لا حيلة لنا فيه، لكن ما لمسته أني وجدته يصدع بصوت المواطن العربي المقهور والمغلوب على أمره والذي ليس بإمكانه أن يغير شيئاً في حين تُحاك المؤامرات حوله في كل مكان للنيل من حريته واستقلاله وطمعاً في ثرواته ومقدراته، ولا أدري أيُعقل أن نظل هكذا مكتوفي الأيدي والألسن أمام ما يُخطط لدولة شقيقة عربية مسلمة هي سوريا التي يراد لها أن تركع كما ركع سابقيها؟ أنظل هكذا نشاهد ونتحسّر ونحن في مقاعد المتفرجين كما فعلنا وانتظرنا إلى أن ضاع العراق؟


Tuesday, November 22, 2005

سعد الغامدي وعمرو دياب

أشعر بعد الإرتياح لأني جمعت في عنواني السابق ما لا يجتمعا ولكن عذري مقصدي من هذا الجمع وهو أني أريد أن أضع بين أيديكم تجربة شخصية مع كليهما بدأت مع الثاني وإنتهت والحمد لله مع الأول، فكلاهما يشتركان في شيء ما وهي نعمة أنعم الله بها عليهما وهذا الشيء ربما يكون الوحيد الذي يجمع بينهما وهي نعمة جمال الصوت وعذوبته ولكن شتان الفرق بينهما في توظيف تلك النعمة وإستخدامها في السعي لنيل دعوات العباد ورضا رب العباد.
للأسف الشديد لا أعتقد أن هناك من بين قراء هذه السطور من لا يعرف من هو "عمرو دياب" في حين أنني يقين أن الكثيرين لا يعلمون من هو "سعد الغامدي"، ولهؤلاء أقول إنه إنسان مسلم منحه الله عذوبة الصوت وجماله فعلم كيف يؤدي شكر هذه النعمة فراح يحمد الله عليها فتوجه بذلك الصوت الملائكي إلى تلاوة كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بورع وتقوى وخشوع حتى تشعر معه أنه صوت يؤثر فيك، صوت يفتح أمامك آفاقاً روحانية لا حدود لها تقودك إلى تدبر معاني هذا القرآن العظيم.
وعندما أتحدث عن "عمرو دياب" أدرك جيداً وأجزم أنني على دراية كبيرة بإمكانات صوته، ففي الماضي عندما كنت أتخبط في الظلمات لاهثاً وراء هذا المعني أو ذاك وخاصة هذا الذي أتحدث عنه كنت مولعاً بما يردده هذا المغني الراقص لدرجة أنني كنت بمجرد سماع ثوان معدودة من مقدمة موسيقى أي أغنية له كنت أستطيع وقتها أن أقول لك إسم الأغنية وكلماتها كاملة وفي أي ألبوم جاءت، وكنت وقتها أتوهم أنني أتلذذ وأستمتع بهذا الصوت وذاك الغناء الذي يردده هذا المغني كالببغاء، إلى أن أنعم الله عليّ بإدراك حقيقة هامة وهي أن الله قد وهب لكل إنسان قلب واحد ومن المستحيل لهذا القلب أن يطرب ويستمتع بهذا الهراء الذي يطلقون عليه طرباً وفي نفس الوقت يكون في هذا القلب مكاناً لكلام الله المنزل من السماء ،وأيقنت أن من يخشع قلبه وتتأثر مشاعره من جراء الإستماع لهذا المغني أو تلك المغنية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يخشع أو يرتجف أو يلين لسماع كلام الله وما نزل من الحق لأنهما لا يجتمعان في مكان واحد، فكلام الله أعلى وأسمى وأرفع وأرقى من أن تجده في قلب إنسان لاهث مردد ومتلذذ بهراء يؤديه هذا المغني أو ذاك.
ولن أدخل في جدل حول رأي ديننا الحنيف في مسألة الغناء لقناعتي أنني غير مؤهل لذلك، ولكنني أود أن أسألك ببساطة وأستحلفك بالله أن تسأل نفسك ولو للحظة واحدة :هل من الممكن أن يُحل الرحمن الذي أنزل القرآن هذا الكلام الذي يطلقون عليه غناء هذه الأيام؟ فالسواد الأعظم مما نسمعه هذه الأيام والذي يطلقون عليه طرب ينحصر في موضوع واحد متكرر : فهو يحبها ولا ينساها وقد حاول ولكنه وفشل ونظرت إليه ونظر هو إليها..إلخ ثم نجدها هي تردد نفس الكلام تقريباً إلى أخر تلك التفاهات التي أعترف أنني كنت يوماً أحد المرددين لها بحرارة .
وتكمن الخطورة في أن إنتشار تلك الأغنيات بين الشباب أنها تكرس سلوكيات وأفعال وتوجهات سلبية تجد طريقها بسرعة لكي تترسخ في شخصية الشاب أو الفتاة وتساهم بقدر أو بآخر في إثراء التفكير السلبي والسعي إلى الإرتباط اللاأخلاقي ولو حتى في خيال الشاب أو الفتاة.
لكن على الجانب الآخر المضيء بنور الله وكلامه تجد أن القرآن كله خير ورحمة وهو شفاء لما في الصدور والقلوب مما قد يعلق بها من همزات الشيطان وهوى النفس الذي أجده أخطر من الشيطان لأن الشيطان ضعيف بمجرد أن تقرأ عليه آية من كتاب الله يكفيك الله شره، ولكن النفس هي عدو داخلي وقد قيل من إتبع الهوى غوى، والإستسلام لهذا المغني أو تلك المغنية ما هو إلا إتباع لهوى النفس الذي من إتبعه ضل، فكن على يقين أن القرآن والغناء لا يجتمعان، ولكي تستمتع بكلام ربك وتشعر بحلاوته لابد أن تقلع عن الإستماع للغناء، وسوف تجد أن الله قد ملأ قلبك بنور كلامه الذي سوف تجد فيه الطمأنينة والسكينة والراحة وصفاء النفس والذهن وعندها سوف تجد نفسك تلقائياً ترفض قبول سماع ذاك المغني الراقص أو تلك المغنية المائلة المتمائلة.
أتحدث إليك من واقع تجربة شخصية دامت سنوات طويلة في ظلمات التيه والوهم وراء صوت هذا المغني الراقص أو تلك المغنية، إلى أن شاء ربي وأذاقني حلاوة الإنصات إلى كلامه المنزل من السماء بصوت العديد من شيوخنا الأجلاء وعلى رأسهم صاحب الصوت الملائكي سعد الغامدي فوجدته صوت مختلف صوت يخترق جدران قلبي المتحجر وإنتقلت بفضل الله وعونه من الهيام واللهث وراء ما يردده عمرو دياب وغيره إلى الإستمتاع بكلام ربي أسمعه بصوت عذب رقراق جزى الله صاحبه كل الخير عني وعن جميع المسلمين خير الجزاء.
وأؤكد لك أنه مهما كان تعلقك بأي مطرب فلن تكون مثلما كنت أنا في تعلقي بالكثير من المطربين الراقصين وعلى رأسهم عمرو دياب، وليس هناك في رأيي أدنى صعوبة في الأمر فقط إمتلك الإرادة والإيمان والرغبة في الرجوع إلى النبع الصافي الذي لم ولن تشوبه أي شائبة، نبع الكتاب المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإذا رأى الله منك الإصرار والعزم على تنقية قلبك من الشوائب والتفاهات لكي تهيء هذا القلب وتجهزه لساكن واحد ولا شيء غيره وهو دستورنا المنزل من السماء فسوف تجد المدد من الله لكي تستمر وتثبت على قناعتك مهما حاول معك شياطين الإنس وهوى النفس، وإبدأ من الآن وتوقف نهائياً عن الإستماع إلى ذاك الهراء وسوف تنتقل بإذن الله من حزب "عمرو دياب" وغيره من المطربين الراقصين إلى حزب الله الذين إذا قرأ القرآن يستمعون إليه ويتدبرون معانيه ويعملون به، وفي النهاية أردد معكم قول ربي عز وجل "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق" الحديد 16

Tuesday, November 15, 2005

إخفاقات ديمقراطية ونجاحات كروية


متابعة الجولة الأولى في انتخابات مجلس الشعب (البرلمان) المصري أصابتني بالإحباط وخيبة الأمل، فقد كنت أعوّل كثيراً على هذه الانتخابات التي جاءت في ظروف داخلية وإقليمية ودولية مختلفة، وهو ما جعلني أتوهم أن نسائم الديمقراطية والحرية التي هبت على ربوع العالم - حتى سمعنا عن دول مثل توجو وليبيريا- قد قابت قوسين أو أدنى من أرض الكنانة وأننا قد صرنا نحن معشر المصريين أقرب إلى الديمقراطية والحرية أكثر من أي وقت مضى، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فقد بدأت الانتخابات وبرزت على السطح الكثير من السلبيات ولعل أهمها وأخطرها هو ما اصطلح على تسميته المال السياسي أو الرشاوى الانتخابية، فقد كان من الملاحظ في أسماء المرشحين لهذه الإنتخابات أن الكثيرين منهم من رجال الأعمال، منهم من أنعم عليه الحزب الحاكم ورشحه على قوائمه ومنهم من دخل الانتخابات بصفة مستقل ومعلوم أن هؤلاء المستقلين بمجرد نجاحهم يعلنون انضمامهم للحزب الحاكم في ردة سياسية وخيانة لإرادة الناخب الذي منحهم ثقته على أنهم مستقلين وليسوا من الحزب الحاكم، ولكن لا يخفى على أحد أن أمثال هؤلاء من رجال الأعمال لا مصلحة لهم بعيداً عن حزب السلطة.

وقد استغل الكثير من المرشحين من رجال الأعمال الظروف المعيشة للمواطن المصري الغير مكترث أصلاً بما يجري لانشغاله بهموم بأمور أخرى أهم بالنسبة له وعلى رأسها توفير لقمة العيش لمن يعولهم في ظروف اقتصادية طاحنة، فلجأ هؤلاء الأثرياء إلى مداعبة هذا البائس بورقة المال لشراء الأصوات وهم على يقين أنهم لو نجحوا فسوف يعوضون تلك الأموال التي أنفقوها أضعافاً مضاعفة، وتشير تقديرات بعض الخبراء إلى احتمال وصول ما يقارب 200 رجال الأعمال إلى البرلمان القادم وهذا في رأيي مؤشر خطير لأن نواب مجلس الشعب من المفترض أنهم يمثلون الشعب وإذا حصل رجال الأعمال على ما يقارب نصف مقاعد البرلمان المجلس فهذا يعني أن نصف سكان مصر من رجال الأعمال وهذا غير صحيح بالمرة، ومن المعلوم أن هؤلاء في الغالب الأعم لا يمثلون إلا أنفسهم ومصالحهم فقط وإلا ما أضاعوا أوقاتهم الثمينة وأموالهم الكثيرة في محاولة الوصول لهذا الكرسي فهم يتعاملون مع كل شيء بمنطق البيع والشراء وهو الأسلوب الذي إتبعوه في التعامل مع أصوات الناخبين كأنها سلعة تباع وتشترى ولن يغيروا هذا المنطق عندما يحجزون مقاعدهم تحت قبة البرلمان وويل للبسطاء فالأغنياء قادمون.

وفي ظل هذا الإخفاق في المسار الديمقراطي الذي لم يبدأ بعد، وما صاحبه من شعور بالإحباط وخيبة الأمل ويأس من إمكانية تغير ذلك الواقع المظلم، أسعدنا فريق الأهلي المصري بفوزه كأس بطولة الأندية الإفريقية إثر تغلبه باقتدار في مباراة الإياب على فريق النجم الساحلي التونسي الشقيق بثلاثة أهداف دون مقابل، فقد رسم الأهلي الفرحة على وجوهنا بعد أن كساها الحزن على أحوالنا التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

قوة وتماسك وتناغم وبراعة لاعبي فريق الأهلي جعلت المدير الفني للنجم الساحلي التونسي يلعب بمبدأ "رحم الله إمرىء عرف قدر نفسه " حتى وهو يلعب على أرضه وبين أكثر من خمسة وعشرين ألف متفرج في مدينة سوسة التونسية في مباراة الذهاب التي تعادل فيها سلبياً مع الأهلي، ثم جاء إلى القاهرة ولم يغير قناعته وتمسك أكثر بهذا الشعار، فهو يعلم أنه لو حاول مجاراة "الأهلي" وفتح خطوطه ولعِب مباراة هجومية مفتوحة فسيكون ذلك إيذاناً بإنضامه إلى "نادي الستة" وهو لمن لا يعلم نادي يتشرف بالانضمام إليه كل فريق يُهزم من "الأهلي" بستة أهداف ومن بين أبرز أعضاء هذا النادي فريقا الزمالك الإسماعيلي المصريين، وكلاهما يتنافسان في كل عام على بطاقة المركز الثاني في الدوري المصري بعد أن قرر "الأهلي" الإنفراد بالمركز الأول إلى أجل غير مسمى وإلى أن يقضى الله أمراً كان مفعولاً.

يبقى أن أقول أن النادي الأهلي المصري ليس لاعبين فقط وإنما هم لبنة في بناء متكامل ومتناغم ويكمّل بعضه بعضاً، حيث يجمع الحب والتفاهم كل من ينتمي إلى هذا النادي العريق الذي حصل على لقب نادي القرن في أفريقيا بجدارة، الأهلي هو صرح للمباديء والقيم التي أرساها الراحل صالح سليم ويدير النادي اليوم أحد تلامذته وهو الأستاذ حسن حمدي رئيس نادي الأهلي وهو شخص لا يعرف الصراخ والصياح والوعيد ولا تستهويه كاميرات الفضائيات ولا أعمال البلطجة مثل الكثيرين لأنه يسعى فقط إلى تحقيق المجد لناديه عن طريق إحراز المزيد من البطولات مترسماً خطى سلفه المايسترو صالح سليم.

وأعتقد أن هذا الفوز الغالي وهذا النصر الثمين قد أسعد كل المصريين بما فيهم مشجعي نادي الزمالك وعلى رأسهم أخي الأستاذ سالم المراغي الذي إلى الآن لم يرسل لي بطاقة تهنئة بمناسبة فوز الأهلي بهذه البطولة الغالية التي فتحت الطريق لهذا الفريق العريق لتمثيل مصر والكرة الإفريقية في بطولة العالم للأندية التي ستقام باليابان الشهر القادم، مع تمنياتي بكل التوفيق لبطل القرن في أفريقيا وقلعة البطولات النادي الأهلي المصري.


Wednesday, November 09, 2005

سلطان الذكرى مجدداً

كم هو غريب أمر هذا الإنسان ! أجده ينتقل من الشيء إلى نقيضه، فقد رأيته في الماضي كيف تردد وفكر وخاف إلى أن أقدم على ما فكر فيه وناله ما ناله وقتها، وفي خضم ذاك التأثير الموجع وجدته وقد قطع عهداً على نفسه ألا يقترب من ذاك الحمى مرة أخرى أو قل مرة ثانية، وقد نجح في ذلك بعض الوقت وإعتقد وقتها أنه قد حِيز له ما كان يحلم به، ولكنني تابعته بإستغراب وهو يتفنن في تذكير نفسه بما لا يود أن يتذكره ويسلّم ناصيته لشراع الذكرى ليبحر به في خضم أمواجها العاتية، ثم يأتي بعد ذلك ويشكو من مرارة الذكرى وقسوتها وعدم رغبته في تذكّر تلك المواقف والأحداث لأن إسترجاعها يأتي محملاً بصنوف من المرارة والحزن واللوعة على ما قد كان، وقد سجّل من قبل تجربته تلك في هذا المكان وسمّاها "سلطان الذكرى" مع إنه يعلم جيداً كما أقول له دائماً إنه هو نفسه من قام بتنصيب ذلك السلطان الجائر على فكره وعقله وهو الذي جعلها تسيطر عليه فلا يمر يوم إلا ووجدته ينسج خيطاً دقيقاً يعيده إلى تذكر حدث أو موقف أو لقاء أو علامة فارقة في ذلك الطريق الذي كان يأمل أن يصل به إلى بلوغ هدفه ومراده ولكنه في النهاية وجده سراباً بقيعة.

وأنا على يقين وكذلك هو أنه عندما أقدم على تسليم نفسه لذلك السلطان الجائر كان مثل الذي أخرج المارد من قمقمه ولم يستطع التحكم فيه أو السيطرة عليه، فقد وجدناه كيف صوّر لنا شهر "آب" وكأنه مأساته الوحيدة وما أن يمر هذا الشهر حتى تمر ذكراه التي لم يكن يود أن يتذكرها ولكن ما أن أفاق من صدمة ذكرى "آب" حتى داهمته ذكرى أخرى محفورة هي أيضاً في جدران ذلك القلب الذي صبر وندم، وليته يدرك ويعي أن تلك السلسلة الطويلة من الذكريات لا تنتهي.

لكن الغريب في الأمر والذي لا أتفق معه فيه هو أنه تحت ذاك التأثير المحزن لتواتر تلك الذكريات أجده يقدم على تصرفات يغلب عليها الإنفعال فبمجرد أن تلوح أمامه في الأفق إشارات ربما تؤدي به إلى السير في نفس الطريق الذي لم تندمل جراحه إلى اليوم، أجده يتصرف بإندفاع وإنفعال وخوف من تكرار ما حدث، وفي الغالب يكون ذلك التصرف على حساب أناس آخرين جديدين لا ذنب لهم فيما حدث له وكل ما فعلوه هو محاولة الإقتراب من عالمه الغامض وربما المتناقض، ولكنني عرفت لماذا يفعل ذلك وقد صارحته بحقيقة الأمر وهو أنه يتصرف بهذه الطريقة التي يراها نقطة دفاع متقدم حتى يجنّب نفسه ما قد يواجهه إذا هو سلك نفس الطريق الذي ذاق فيه ما ذاق.

وكثيراً ما نصحته أن يتحرر من ذلك الوهم الذي يصوره لنفسه بأنه غير قادر على طرح تلك الذكريات جانباً، فأنا على يقين بأنه يقدر على ذلك، ولابد أن يعلم جيداً أن الأهم في الأمر ألا يؤثر ذلك بأي حال من الأحوال على من حوله خاصة من هم حديثي المعرفة به حتى لا يخسر هؤلاء أيضاً كما تعوّد أن يخسر، وقد وجدته دائماً يتهرب من سؤال طالما طرحته عليه وهو: لماذا يا عزيزي تتسبب بيديك النظيفتين في شقائك؟ لماذا تتفنن في تذكير نفسك بما لا تحب أن تتذكره ؟ فأنت تعلم مثلي أنه قد ولّى زمن الممكن فقد قُضي الأمر وأُسدل الستار وربما لا يستحق هذا الذي عانيت من أجله ولم تجده عوناً وسنداً لك في سبيل تحقيق ما حلمتما به معاً، فهو في رأيي لا يستحق كل هذه المعاناة التي تستسلم لها بإرادتك، فجأة وجدته قد قطع صمته الطويل وقاطعني بشدة مُلقياً في وجهي بحقائق علمها وتأكد من صدقيتها، حقائق وتفسيرات تبرىء ساحة صاحبه، ثم أخذ يردد قول الشاعر:

أساحرتي ظلمتك في تصاويري وتدويني
وخُنتك في خيالاتي وأنك لم تخونيني

وصفتك بالذي أكره وعشت لمن يوسوس لي
فإن جادت لك الأيام عن ثمني فبيعيني

وصفتك ما تلا قلبي على كبدي توسله
فصرت النهب للأحزان تأسرني وتسبيني

أعز الناس، أغلى الناس، أرحم منْ رأت عيني
ملاك مِتُّ أعشقه وصمت الموت يحييني

فقد ألقك في سِنتي وقد ألقاك في الدنيا
وقد ألقاك في الجنة وهذا العز يكفيني

Tuesday, October 18, 2005


العالم الإسلامي إلى أين؟

هل نتمنى أن يبقى حالنا على ما هو عليه الآن؟

في مثل هذه الأيام من العام الماضي أذكر أنني كنت أتبادل التهاني بمناسبة قدوم الشهر الكريم مع أحد الأصدقاء الذي قال في لهجة حزينة أتمنى أن يأتي العام القادم وحالنا أفضل من ذلك، وكان ردي عليه "بل تمنى معي أن يظل حالنا كما هو وألا يتدهور أكثر من ذلك "، لأننا قبل عام مضى كنا نلحظ كما نلحظ الآن أن حال العالم الإسلامي يزداد سوءاً ويتدهور بوتيرة متسارعة وصرنا أكثر تفككاً وتشرذماً وضعفاً، ولو رجعنا إلى تقييم أحوال المسلمين والعرب منهم على وجه الخصوص قبل عام من الآن لوجدنا أن حالنا وقتها- أي قبل عام فقط- كان أفضل بكثير مما هو عليه الآن، فقد ازداد حالنا سوءاً وصرنا أكثر وهناً وضعفاً وهُنّا أكثر على الناس، وأصبحنا نستجدي رضا أحقر أهل الأرض بصورة مُخزية وتداعت علينا الأمم أكثر وأكثر، حتى صرنا نحن كشعوب عربية مسلمة ننظر بإعجاب شديد إلى حكاماً وشعوباً – غير مسلمين- ما زالوا يمثلون جسوراً ورموزاً للمانعة والوقوف في وجه الطغيان الأعمى للإمبراطورية الأمريكية المستبدة مثل فنزويلا شافيز الذي طالب في الأمم المتحدة في عقر دار الأمريكان بنقل مقر المنظمة الدولية من هذا الدولة المتعجرفة التي لا تراعي قيماً ولا مباديء، كما صرنا ننظر بإعجاب لذلك التلاحم المطلوب في الوقت الحالي مع نظيره الكوبي فيدل كاسترو وكيف أنهما ينسقان معاً من أجل تكريس التعاون الاقتصادي بين بلديهما لكي يقاوما ذلك الحصار الجائر الذي وصل من قبل بالعراق إلى ما هو عليه الآن، وكان الأجدر بنا نحن العرب أن نتعاون مع هذه الدول أو أن ننضم إلى هذه الجبهة، ولكن كان من المخزي والمؤسف ضعف الإقبال العربي في القمة العربية اللاتينية التي أقيمت في البرازيل في مايو الماضي وكأن العرب لا يريدون أن يتحرروا من سطوة من يسومهم سوء العذاب ويسلب ثرواتهم ويتحكم في مقدراتهم والله إنه لأمر غريب يستعصي على الفهم.

نظرنا أيضاً بكل إعجاب إلى إيران، تلك الدولة التي تناطح أعتى قوة في العالم وهي الولايات المتحدة التي تريد أن تحرم إيران من حق امتلاك الطاقة النووية، وهي تقوم بهذه المهمة بالنيابة عن إسرائيل وذلك من أجل أن تظل الدولة العبرية وحدها هي القوة النووية من المنطقة، ومثلما أشعر بإعجاب إزاء الموقف الإيراني أجدني أنظر باستغراب شديد إزاء مَنْ يُعرب عن قلقه بصراحة من سلاح إيران النووي وهي دولة مسلمة ولكنه في نفس الوقت يستأنس بسلاح النووي الإسرائيلي المجاور والذي يهدد بلاده التسرب المحتمل للإشعاع النووي من مفاعلاتها، والله إنها لآخر عجائب هذا الزمن عندما تكون إسرائيل هي الصديق الودود وإيران المسلمة هي العدو اللدود.

في العراق إزداد الوضع سوءاً فما زلت أذكر أن في نهاية رمضان الماضي بدأت عملية إجتياح الفلوجة من القوات الأمريكية الغازية وما نتج عن ذلك من مأساة إنسانية بكل ما تحمل الكلمة من معنى ولكن تجاهلها العالم الذي يدعي العدل والحرية ولكنه في االحقيقة عالم قائم على النفاق والمصالح والمنفعة المتبادلة، وإذا نظرنا الآن بعد عام تقريباً لوجدنا أن هذه العمليات قد تكثفت على المدن العراقية ولا تختلف عن بعضها إلا في مسمياتها التي تطلقها تلك القوات الغازية عليها ولكنها جميعاً تهدف إلى تركيع وتدمير الإنسان العراقي والقضاء ما تبقى من البنية التحتية للعراق الذي يعاني من عدم توفر أبسط مقومات الحياة من ماء وكهرباء، ثم يدّعون أنهم جاؤوا لتحرير العراق ! وعلى الجانب الآخر ارتفعت وتيرة عمليات العنف التي تستهدف المدنيين ولا يمر يوم إلا ويُقتل فيه العشرات من أبناء الشعب العراقي، والقوات المحتلة تغض الطرف عن حقيقة أن وجودها هو السبب وراءكل هذه الحمامات من الدم وهذه المجازر التي يتعرض لها الشعب العراقي الشقيق، ألم يصير الوضع في العراق أسوأ مما كان عليه منذ عام مضى؟

وفي فلسطين أطلقت إسرائيل يدها في قتل وتشريد الفلسطينيين وهدم منازلهم وانسحبت من جانب واحد من مدينة غزة في رسالة لها مدلولها لمن يود أن يفهم، وفي الأفق الفلسطيني الداخلي تلوح غيوم تهدد وحدة الصف الفلسطيني وتصب فقط في صالح إسرائيل، ألم يزداد الوضع في فلسطين سوءاً ؟ ولكن المفارقة الغريبة في الأمر أن العديد من الأنظمة الإسلامية وجدناها تتسابق وتتدافع نحو إقامة علاقات مع إسرائيل، فوجدنا من "اقترف" اتفاقيات تعاون اقتصادي وصناعي مشترك وتصدير الغاز بعد البترول إلى إسرائيل في تجاهل غريب لمعاناة الشعب الفلسطيني الشقيق، ورأينا كيف أن ما كان في الماضي يعتبر من الحرام السياسي صار اليوم مُسلماً به.

يُقال إن أكثر فترات الليل ظلاماً هي تلك التي تسبق طلوع الفجر، وهل هناك أسوأ أو أسوَد مما نحن فيه الآن؟ هل اقترب وقت بزوغ فجر هذه الأمة من جديد؟ لكن على أي حال كل عام وأنتم بألف خير بمناسبة الشهر الكريم وأتمنى أن يجيء العام القادم بإذن الله وحالنا أفضل مما نحن عليه الآن أو لنقل – مرة أخرى- أن يظل حالنا- على الأقل- على ما هو عليه اليوم وألا يزداد سوءاً وتدهوراً وضعفاً وتشرذماً مثلما حدث في العام الذي مضى.

Thursday, September 29, 2005

قناة الجزيرة وتطلعات الشعوب العربية

مما لا شك فيه أنه منذ أن انطلقت قناة الجزيرة قبل تسع سنوات أحدثت ثورة غير مسبوقة في المفاهيم الإعلامية في العالم العربي وحرّكت المياه الراكدة فيه وتناولت أموراً كانت تعتبر في السابق من المحرمات وحررت المشاهد العربي من سطوة الإعلام الموجّه الذي لا يكل ولا يمل من التغطية المكثفة البائسة لأنشطة الزعيم والحاكم الضرورة الذي لن يجود الزمان بمثله! وتخلّص المشاهد العربي من المحيط إلى الخليج من ذلك الملل الذي كان يعانيه من تصدّر ذلك الزعيم الملهم لجميع الأحداث والنشرات والتحليلات، وكنت إذا أردت مشاهدة نشرة الأخبار فكان من الأفضل لك - خاصة إذا كنت تعاني من ارتفاع ضغط الدم مثلي- أن تقوم بتشغيل التلفاز بعد أن تبدأ النشرة بربع الساعة على الأقل حتى تتجنب أن تصيبك أخبار أنشطة الزعيم وعائلته بالكآبة والملل العضال، وهو ما دفع المشاهد العربي إلى الهروب إلى المصادر الإعلامية الأخرى وخاصة الغربية منها سواء كانت قنوات فضائية أو إذاعات مسموعة، إلى أن جاءت الجزيرة فتصدرت المشهد وملأت هذا الفراغ باقتدار ووجد فيها المشاهد العربي ضالته وما كان يحلم به ويتوق إليه من تناول همومه التي وضعتها الجزيرة لأول مرة على خريطة الإعلام العربي، واكتسبت الجزيرة احترام الشارع العربي وهو الموقف الذي نتج عنه تعرضها لضغوط هائلة ولكنها صمدت في كل الأحوال أمام الكثير من الأمواج العاتية وأثبتت استقلاليتها وانحازت إلى الشعوب العربية المقهورة رغم تلك الضغوط التي تعرضت وتتعرض لها القناة والمحاولات المستميتة لثنيها عن موقفها ،وهو الموقف الذي قدمت القناة من أجله الكثير من التضحيات، فعلى سبيل المثال فقد قُصف مكتب الجزيرة في كابل بأفغانستان من قبل القوات الأميركية في نوفمبر 2001، وقصفت طائرة أميركية مكتب الجزيرة في بغداد في أبريل 2003 مما استشهد على إثره مراسل الجزيرة طارق أيوب، وآخرها قرار "المجاهد" إياد علاوي بإغلاق مكتب الجزيرة في "العراق الجديد" ! وهو ما يؤكد أن القناة لم تهادن محتل أو ظالم وإنما سعت فقط لكشف الحقيقة.
وعندما فشلت الأنظمة العربية وغيرها فشلاً ذريعاً في تحقيق أي نتائج ترجوها من تكثيف ضغوطها على القناة بكافة الوسائل؛ لجأت إلى آخر الأوراق في يدها والتي ثبُت فيما بعد أنها ورقة خاسرة بكل المقاييس، فقد لجأت بعض الحكومات إلى محاولة الدخول إلى ساحة المنافسة فعمدوا إلى إنشاء وتمويل قنوات فضائية إخبارية لكي تنافس الجزيرة ! لكن لم يمر الكثير من الوقت حتى ثبُت أن تلك القنوات أقل ما يقال عنها أنها قد ولدت ميتة وتعتبر صور كربونية مستنسخة من الإعلام العربي الرسمي الموجّه وورثت سمات الإعلام الرسمي المتهافت الذي يُسبّح بحمد الزعيم الذي سافر وقابل وقال وصرّح...الخ وتستطيع عزيزي القاري الوقوف على هذه الحقيقة جيداً من خلال التغطية الإخبارية لتلك القنوات ،وبعد أن "نجحت" إحدى هذه القنوات "بجدارة" في الانتهاء من تغطية وحل جميع هموم ومشاكل الأقطار العربية تفرّغت لتغطية ومتابعة أخبار حمل وولادة إحدى مذيعاتها وصوّرت لنا الحدث وكأنه فتحاً مبيناً !!
ولو علم القائمون على أمر تلك القنوات البائسة سر نجاح الجزيرة لكانوا قد جنبوا أنفسهم تبديد أموالهم في الهواء، ولكن ما أغمضوا عيونهم عنه هو أن السر وراء تفوق الجزيرة هو انحيازها للمواطن العربي المقهور وهو ما جعل جمهورها من مختلف الدول العربية يعلقون الآمال على قناتهم "قناة الجزيرة" في أن تصدع بمعاناتهم وألا تهمل ما يدور في بلدانهم بعد أن صارت الجزيرة رمزاً لتطلعات تلك الشعوب المقهورة.

تجسدت تلك التطلعات والآمال التي تحملها الجماهير العربية تجاه قناة الجزيرة في كتابات ثلاثة كتاب من ثلاث دول عربية مختلفة تناولوا الموضوع سعياً إلى حث القناة على تركيز اهتمامها على ما يدور من أحداث في بلدانهم، أولهم الكاتب المصري سليم عزوز الذي كتب مقالاً بعنوان " هل باعت قناة الجزيرة القضية المصرية ؟" (القدس العربي 26/6/2005) تناول فيه الموضوع بعد أن نشرت جريدة الدستور المصرية عن نفس الموضوع أيضاً تحت عنوان "انسوا قناة الجزيرة" فقال: "...فان تغطية (الجزيرة) للأحداث التي تشهدها مصر في الآونة الأخيرة، يؤكد ان في الأمور ـ كما يقولون ـ أمورا" ويقول : "وقد انطلقت اسأله(يقصد مسؤول بالجزيرة) لعلي أجد عنده إجابة علي السؤال، لكنه تعامل معي علي أساس انه (يتهيأ لي) أي أتصور أشياء لا أساس لها، ولولا ان كثيرين يتفقون معي لذهبت الي مستشفي أبو العزايم للأمراض النفسية لاطلب العلاج من مرض الوهم.. او التوهم!فأنا ربما بنيت هذا التصور لان الجزيرة تنقل وجهة النظر الأخري، وقلت له أنني لا أمانع في استضافتكم المتكررة للدكتور مصطفي الفقي عن الحزب الحاكم ليلت ويفت، ويخرج عن الموضوع دون ان يستوقفه المذيع او يقاطعه او يسحبه الي القضية محل النقاش. ولا أمانع في التعامل مع المسجلين خطر الذين يسحبهم الحزب الحاكم لمظاهرات حركة كفاية، علي انهم يعبرون عن شعبية السلطة، وتسليط الكاميرات عليهم حتي يتأكد المشاهد أنها مثل زبد البحر، فالذي اقصده هو تجاهل كثير من الفاعليات، واختزال بعضها، والتعامل بعدم اكتراث مع ما يتم نقله!" وقد أكمل سليم عزوز التعبير عن ظنونه أو (ما يتهيأ له) في مقال آخر بعنوان "عن الجزيرة والذي منه!" (القدس العربي 3 /7/2005 ) مستشهداً بأكثر من موقف يؤكد ظنونه (أو ما يتهيأ له) وأهمها موقف مراسل القناة في القاهرة في محاكمة أيمن نور.

ثاني هؤلاء الكتاب العرب هو الكاتب الجزائري توفيق رباحي الذي كتب مقالاً تحت عنوان "هل باعت الجزيرة المغرب العربي؟" ( القدس العربي 19/7/2005) يحسد أهل مصر على حظهم من "كعكة" الجزيرة ويلوم القناة على إهمالها المغرب العربي فيقول:"..وتذكرت زميلا مغربيا سألني في نفس الاسبوع لماذا لا اكتب عن الجزيرة وتقصيرها بحق منطقة المغرب العربي رغم انها تمتلك اكبر كتلة مشاهدين هناك."، ويقول رداً على سليم عزوز: "عندكم في القاهرة مكتب له شنة ورنة، وعندهم في المغرب مكتب الا ربعا (اقبال الهامي مسحوب اعتمادها منذ شهرين)، وفي الجزائر مكتب علي الورق (محمد دحو اوقف بعد شهور معدودة من بدء العمل بذنب ليس ذنبه)، وفي تونس مكتب في الحلم، وفي ليبيا مراسل اعانه الله علي نفسه اولاً، وفي موريتانيا مراسل بدون عنوان يغطي كل غرب افريقيا. مكتب الجزيرة في مصر امر واقع، والجدل الان حول نوعية ادائه. اما بالمنطقة التي تسمونها شمال افريقيا، فلم تصل الجماعة هناك الي الامر الواقع"

ثالث هؤلاء الكتاب العرب هو الكاتب المغربي المصطفي العسري الذي كان أكثرهم عنفاً في توجيه اللوم لقناة الجزيرة على عدم تناولها للكثير من الفعاليات في المغرب العربي فقد كتب مقالاً (الراية 31/8/2005) يقول فيه "فالوطن العربي عند أهل الجزيرة ينتهي عند الحدود مع ليبيا، والعالم العربي مختزل في الوضع بالعراق وبفلسطين، وفي الانتخابات اللبنانية التي خصصت لها تغطيات مباشرة جعلتنا في مغرب الوطن العربي علي علم بمختلف التيارات السياسية والطوائف الدينية بهذا البلد الذي لا يزيد عدد سكانه عن الأربعة ملايين نسمة هم سكان الدار البيضاء فقط،" ويكمل قائلاً: "إلا أن المتتبع لبرامج الجزيرة الإخبارية والجزيرة مباشر يراها لا تهتم بما يقع في مغرب الوطن العربي رغم أن شمس الإصلاحات السياسية باتت تشرق من المغرب علي حد ذكر الأخ فيصل القاسم" ويختتم الكاتب مقاله قائلاً "المهم، إن القصد من وراء هذه الأسطر هو التعبير عن غضبنا من قناة الجزيرة العزيزة علينا هنا في مغرب العالم العربي، لأننا نعيش دائما علي هامش اهتماماتها ولا نعلم سبب ذلك"

تلك كانت مقتطفات من مقالات ثلاثة من الكتاب من ثلاث أقطار عربية مختلفة يلوم كل منهم قناة الجزيرة على عدم الاهتمام – بالصورة التي يريدها- بما يحدث في بلده ويحثها على بذل المزيد من الجهد في تناول ما يدور في بلدانهم من فعاليات وأحداث وأن تنقل صورة ما يحدث هناك دون تجاهل، ولكن هناك سؤال يتبادر إلى الذهن هو لماذا اختار هؤلاء الكتاب وغيرهم قناة الجزيرة بالذات دون غيرها من القنوات الإخبارية العربية- وما أكثرها - ويدعونها أن تهتم بما يدور على أراضي بلدانهم وتتناوله ولا تتجاهله؟

والإجابة على هذا السؤال هي أسهل ما يكون ويعرفها كل مواطن عربي بسيط وهي أن الجزيرة فقط هي ما تتمتع بأكبر قدر من المصداقية لدى الشعوب العربية وهي تثق في نزاهة القناة وانحيازها لصالح قضاياهم وهمومهم وبالتالي فإن من حق تلك الشعوب العربية المغلوب على أمرها أن تلوم الجزيرة عندما يفوتها تناول بعض مما يحدث على أرضها وأن تطلب منها أن تظل دائماً على عهدها معهم وهي بالفعل مسؤولية عظيمة ملقاة على عاتق تلك القناة العريقة وأحسبها على قدر المسؤولية مهما كلّفها ذلك.

Saturday, September 10, 2005


المعارضة المصرية وتجميل الوجه العكر
(3)
حزب الوفد الجديد

رئاسة الحزب ليست بالأمر السهل وتحتاج الي مجهود كبير ورئاسة الحزب مسؤولية ضخمة تكون علي حساب صحة وحياة الشخص الذي يتطوع لرئاسة الحزب .

هذه الكلمات هي للدكتور نعمان جمعة رئيس حزب الوفد المعارض ومرشحه للرئاسة المصرية وذلك في مقابلة تلفزيونية علي فضائية دريم في السابع من أغسطس الماضي في رده علي سؤال محاوره عن عدم تطبيق نظام لتحديد مدة رئاسة حزب الوفد. واذا حذفنا من كلام د. نعمان جمعة كلمة الحزب واستبدلناها بكلمة الدولة فسيصبح الكلام تقريبا هو رد الرئيس حسني مبارك علي من ينادي بتحديد مدة الرئاسة في مصر وذلك في مقابلة تلفزيونية علي شاشة التلفزيون المصري! فهذا هو زعيم أحد أبرز أحزاب المعارضة في مصر يرفض تحديد فترة توليه رئاسة الحزب ويريد أن يُخلد وأن يمكث علي كرسي رئاسة الحزب الي يوم يبعثون، وهذا من حقه علي أساس أن من حكم في ماله فما ظلم! ولكن ما نرفضه أن يكون هذا هو موقفه من تداول السلطة داخل حزبه ثم يأتي وتكون علي رأس مطالبه من النظام الحاكم هو تحديد مدة الرئاسة في مصر بفترتين فقط وهو ما لا يقوم بتطبيقه داخل الحزب الذي يرأسه! فلا تنه عن خلق وتأتي مثله.. عار عليك إذا فعلت عظيم.

الدكتور نعمان جمعة هو مرشح حزب الوفد في انتخابات الرئاسة وبما أن هذه هي وجهة نظره في مسألة تداول السلطة في الحزب الذي يرأسه فإن هذا مؤشر واضح علي أنه اذا اعتلي كرسي الرئاسة في مصر - لا قدر الله - سوف يتمسك به بكل ما أوتي من قوة وسوف يرفض ويحارب فكرة تداول السلطة ولن يرضخ لطلبات المعارضة بتحديد فترة الرئاسة وسيسعي إلي أن يمكث علي الكرسي إلي أن يشاء الله!

المعارضة المصرية بمواقفها تلك التي تماثل وتنسق مع مواقف النظام الحاكم وتوجهاته تساهم بصورة أو بأخري في تجميل وجه هذا النظام وتبدو الصورة أمام المواطن العادي وكأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان طالما أن زعماء أحزاب المعارضة هم أيضا يمارسون الديكتاتورية داخل أحزابهم ويحاربونها فقط خارج أعتاب تلك الأحزاب، فالدكتور نعمان جمعة علي سبيل المثال بمجرد أن تولي رئاسة الحزب أطاح بأحد الكوادر الرئيسية في الحزب وفصله من جريدة الحزب جريدة الوفد مع أن الضحية كان من المشاركين الرئيسيين في إصدار الأعداد الاولي لتلك الصحيفة وهذه هي الديمقراطية البديلة التي تعدنا بها أحزاب المعارضة! كما أن الدكتور نعمان جمعة الذي تطلع الي رئاسة مصر التي يتجاوز تعداد سكانها سبعين مليون نسمة لم يحتمل أحد رعاياه في جولة انتخابية في مدينة بورسعيد علي البحر المتوسط وعندما ضاق به ذرعا وهو يهتف لمرشح آخر أثناء إلقاء كلمته فقال أمام الكاميرات طلعوه بره ابن ال ؟؟؟ ده!!

جميع رؤساء أحزاب المعارضة الرئيسية في مصر يطالبون الرئيس مبارك بتحديد مدة الرئاسة بفترتين وألا يعيد ترشيح نفسه، ولكن إذا فتشنا في شهادات ميلاد هؤلاء الزعماء سنجد العجب العجاب، فالدكتور نعمان جمعة رئيس حزب الوفد يزيد عمره علي سبعين عاماً، كما أن السيد خالد محيي الدين رئيس حزب التجمع يزيد عمره عن ثلاث وثمانين عاما مواليد أغسطس 1922 ، والسيد ضياء الدين داوود رئيس الحزب العربي الناصري يصل عمره الي تسع وسبعين عاما مواليد مارس 1926 وقد ذكرتني تلك الأعمار بمقال قرأته منذ أكثر من عام للاستاذ سليم عزوز عنوانه في ضيافة المصريين القدماء وكان يتحدث عن لقائه مع أعضاء لجنة شؤون الاحزاب في مصر وجميعهم تقريبا في نفس أعمار رؤساء تلك الأحزاب مع الفارق أن من التقاهم الاستاذ سليم عزوز هم من كبار رجال السلطة في البلاد ويتصدرون المشهد السياسي في مصر أما من نتحدث عنهم فهم علي كراسي المعارضة وكلا الفريقين باقيان ماكثان مخلدان جالسان إلي أن يقضي الله أمرا كان مفعولا!

Tuesday, August 30, 2005

(2)المعارضة المصرية وتجميل الوجه العكر
الإخوان المسلمون

يقول البعض عن جماعة الإخوان المسلمين أنها كبرى جبهات المعارضة المصرية وأكبر الكتل السياسية في الشارع المصري، ولكنني أرى أن هذا الأمر يحتاج إلى توضيح وربما إلى تصحيح، حيث أجد تلك المعلومة تفتقر إلى الدقة لأن هذا الطرح يعتبر حقيقة في حالة واحدة وهي أن يكون أن كل إنسان متدين في مصر يعتبر من الإخوان كما يحاول الإخوان تصوير ذلك، فهم يفترضون أن أي إنسان متدين لابد وأن يكون من الإخوان، وهم بذلك يستغلون حقيقة أن الشعب المصري متدين بطبعه من قديم الأزل ومنذ آلاف السنين وتشهد على ذلك جدران المعابد الفرعونية التي ما تزال قائمة تروي هذه الحقيقة وتؤكدها.

وفي هذا الوسط الذي يغلب عليه التدين نجد أنه من الطبيعي جداً أنه إذا وقف أي إنسان ونادى في البرّية يا قوم: "الإسلام هو الحل" سيلتف حوله المسلمون البسطاء من أبناء مصر مباشرة دون نقاش وهذا هو سر قدرة الإخوان على الحشد الجماهيري، وقد لمست ذلك بنفسي وخاصة بين عموم الناس من البسطاء، وهو ما يجعل البعض يتوهم أن الإخوان هم أكبر الكتل السياسية شعبية في الشارع المصري، وأرى أن الحكومة هي التي جعلت من القزم عملاقاً، فالممنوع مرغوب وبمجرد أن تجد الأمن يُضيّق على أحد المرشحين من الإخوان تجده يحصد أصوات الغوغاء الذين يجذبهم ذلك الشعار البرّاق، وهذا شيء طبيعي ومتوقع من بسطاء الناس الذين يزحفون خلف من يطلق تلك الشعارات الحماسية التي تلهب مشاعرهم دون أن يناقشوا من يحمل هذا الشعار وينادي به وهل من ثمة مؤشرات على صدق نيته في تطبيق المباديء التي يحمها هذا الشعار، ولولا ذلك التضييق الأمني الساذج على مرشحي الجماعة في إنتخابات عام 2000 ما حصلوا على السبعة عشر مقعداً في مجلس الشعب (البرلمان) وقد شاهدت بنفسي كيف أن البسطاء من أبناء وطني ينساقون بشدة وراء عواطفهم التي يشكلها الدين في الغالب الأعم وذلك بطبيعتهم البسيطة النقية التي لا يشوبها خبث أو مكر وبالتالي لا يتوقعونه من أحد خاصة المرشح الذي يحمل شعار الدين ويبدو وكأنه منقذ البشرية من الضلال المبين.

وهنا أدعو حكومتنا الرشيدة إلى تجربة أسلوب آخر جديد "للفكر الجديد" في التعامل مع تلك الجماعة وأن تترك لهم الحبل على الغارب وأن تمنحهم الحرية في لقاء الجماهير لأن الناس تسمع عنهم الأساطير وهي في نفس الوقت لا تستطيع لقاء هؤلاء الأبطال "المؤمنين" الذي يريدون أن يطبقوا شرع الله وبالتالي يُصدّق الناس ما يسمعونه فقط، كما أن هناك أشكالاً أخرى من العمل الإسلامي الدعوي إذا تم السماح لهم بالعمل في مجال الدعوة بحرية فسوف يكون ذلك إيذاناً بدّق أول مسمار في نعش هذه الجماعة ونهاية تلك الأسطورة التي يروج لها البعض، وأقصد هنا تشجيع وإتاحة الفرصة للجماعات الإسلامية التي تمارس أنشطة الدعوة والتي لم تتخذ العنف أسلوباً ولم تتبناه منهجاً، لأن من يمارس العنف كوسيلة للتغيير ليس له مكاناً بيننا.

ومن المعلوم أن تلك الشعارات التي يطلقها الإخوان هي فقط لكسب أصوات البسطاء الذين تحدثت عنهم فالبراجماتية(المذهب العملي المبني على المنفعة) هي سياسة الإخوان في كل خطاهم وسعيهم الدائم لتحقيق مآربهم التي ليست إلا أهدافاً سياسية بالدرجة الأولى، فهم يستخدمون الدين كسلاح ذو حدين لترهيب المعارضين لهم وإشهاره في وجه كل منتقديهم من ناحية ومن ناحية أخرى تبرير توجهاتهم وحشد الغوغاء خلفهم، فالجماعة بالنسبة لهم فوق كل شيء وقبل كل غاية، ولن أستشهد بكلام أحد من خارج الجماعة وإنما هنا أستشهد بتصريح لأحد أهم أقطاب الجماعة وعضو مكتب الارشاد الدكتور عبد المنعم أبوالفتوح التي أكد فيها أن شعار الاخوان الشهير «القرآن دستورنا» شعار عاطفي لا يعبر عن المنهج السياسي للجماعة (الشرق الأوسط 19 يوليو الماضي).

أضف إلى ذلك الانتهازية واستغلال المواقف لتحقيق مآربهم مهما كان الثمن، فهم يستفيدون من جهد الآخرين لكن لا يستفيد من جهدهم أحداً غيرهم، فقد قطفوا ثمرة كسر حاجز منع المظاهرات مستفيدين بذلك من جهد حركة "كفاية" التي نجحت في ذلك رغم حداثة عهدها، ووجدنا الإخوان يخرجون إلى الشارع "وحدهم" حتى يثبتوا للجميع أنهم "كُثر" وحتى يقوى موقفهم في "الصفقات" التي يبرمونها مع النظام الذي يهاجمونه بكرة وأصيلا !

ولعل آخر مواقفهم "الوطنية" كانت يوم الخميس 14 يوليو الماضي في مظاهرة حركة كفاية ضد البطالة أمام قصر عابدين، فقد أعلن الإخوان قبلها أنهم قد قرروا تأجيل مظاهرة كانوا قد قرروا تنظيمها - في اليوم السابق لمظاهرة كفاية - تحت لواء التحالف الوطني الذي يتزعمونه، فهم لا يعملون تحت زعامة أحد غيرهم فهم يرون أنهم وكلاء الله في الأرض وهم فقط الجديرون بالزعامة وكيف يطمع أحد في الزعامة والمُلك وهم أحق بالمُلك منه !! وقد أعلنوا أن هذا التأجيل هو للتضامن مع حركة كفاية وأعلنوا أنهم سيشاركون في هذه المظاهرة، ولكن عندما جاء يوم المظاهرة كانت مفاجأة للكثيرين – ولست منهم – وهي عدم مشاركة الإخوان فيها، فعدم مشاركتهم في مظاهرة دعت لها كفاية لم تكن مفاجأة بالنسبة لي ولكن المفاجأة كانت ستكون إذا شاركوا فيها لأنهم كما قلت يستفيدون ولا يفيدون.

ولا يبرز على السطح أمام أعين الناس تلك المواقف الماكرة من قِبل الجماعة عبر النقد الواضح في وقت أصبح فيه انتقاد الإخوان من المحرمات وتوجيه أي نقد إلى "كبيرهم" يعتبر رجس من عمل الشيطان! فنحن إذن أمام زمرة من الناس يؤثرون جماعتهم وبقائها وإستمرارها على أي مصلحة أخرى ولو كانت مصلحة الوطن الذي طالما عانى من مناوراتهم وصفقاتهم مع النظام، وهي إن تحالفت مع أحد يكون من منطق الإستفادة ممن يتحالفون معهم.

فكيف بالله عليكم نثق في أمثال هؤلاء ؟ وكيف نحسب أمثال هؤلاء على المعارضة؟ فالمعارضة الحقيقية هي تلك التي تطرح نفسها كبديل عن السلطة الحاكمة وتُسخّر كل جهدها في سبيل تحقيق ذلك وتُظهر بوضوح أمام جموع الشعب مبادئها ومواقفها دون لبس أو مواربة، وأن لا تتوانى في نقد وكشف وفضح نقاط الضعف والقصور في سياسة النظام الذي يحكم، لا أن تساهم بشكل أو بآخر في ستر تلك العيوب والعورات عبر لعب دور "كرتوني" "ديكوري" يساهم في تجميل تلك الصورة القاتمة في مقابل مكاسب دنيوية زائلة في إطار صفقات سرية أو علنية تدهس تحت أقدامها الثقيلة آمال وطموحات وتطلعات الشعوب، وهذا هو الدور الذي أجد تلك الجماعة تقوم به على أكمل وجه.